العقل بين الاستخدام والعمى

إيمان محمد

 

أسرَّت إليّ بحالة الحيرة التي تعيشها منذ شهور ليست بالقليلة، تكتمها عمن حولها، لكن حيرتها تكاد تنال من روحها. كانت تحب الحيرة التي تقود إلى السؤال، الذي تقود إجاباته لمعرفة الله أكثر، لكنها اليوم وأمام الإجابات الجاهزة والمُعدّة سلفاً باتت تخاف أن تقودها الحيرة إلى الضياع التام.

هذا العقل الذي وهبنا الله إياه كيف نستخدمه، وكيف لا نسمح له بأن يجرفنا في تيارات الإبهار ومحاولات حرفه عن وظيفته.

في بيئة تجسد حالة العالم كله ولكن بشكل مصغّر، ينقسم الناس فيها ما بين ملحد لا يؤمن بالله، له مجموعة من القيم يؤمن بها، وبين مسلم بالهوية لا يكاد يعرف عن الإسلام إلا مسمّاه، وقد بات يتخبط بين جهل وتشويه وضلالات. كانت تفكّر بجديّة في موقعها من ذلك كله، بهويتها وانتمائها، نصفها يميل لشقّ العلم الذي زعم الملحدون أنهم ملّاكه، وأقنعوا الناس بذلك، ونصف يميل لشقّ الدين الذي تبارى المسلمون المنسلخون عن هويتهم في تشويه صورته، ولكن الخيط الرفيع الذي يشعرها بالانتماء إليه هو إيمانها الفطري، وإدراكها أن هؤلاء لا يمثلون الدين الحق، كانت تحتاج إلى قوة أو ركن شديد تأوي إليه لترى المشهد بوضوح، وهي مع كل خطوة تخشى السقوط.

كنت أفهمها تماماً، ففكرة الضياع المطلق مرعبة، ونحن في خطوات التساؤل كنا نسير وكأننا على خيط رفيع بين هاويتين، نخشى زلة القدم المُهلكة، ولذلك كان إيماننا الفطري هو حبل نجاتنا الذي نتمسك به ليعيدنا، وكي لا يسمح لنا أن ننجرف، وليهبنا القوة من أجل استعادة النفس، والقدرة لاحقاً على المواجهة، وبالتالي فنحن بحاجة لتحصين نفس مستمر، وتمسكٍ بما لا تزل معه الأقدام أبداً. كنت أذكرها بمعنى التمسك في الحديث: “تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم”.

وبماذا يمكن أن نصنف أنفسنا؟ أنكون من المتمسكين بحبل نجاتهم أم الغارقين؟ وهل فهمنا التمسك بشكل صحيح، أم أن منا من قطع الحبال وهو يشدها فكان من المتنطعين؟

وبالنظر إلى موقعنا الحقيقي على هذه الأرض فلن نختلف على أن الله تعالى قد اختارنا نحن البشر دوناً عن الخلائق كلها لنخوض هذا الامتحان الصّعب، ورزقنا العقل الذي فتح لنا أبواب العلم، وسخّر لخدمتنا الكون بأسره، وأوكل إلينا عمارته والقيام على شؤونه، قال تعالى: “وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون” ]البقرة:30[.

لقد وهبنا الله العقل وميزنا به عن سائر خلقه لنستخدمه في عمارة الأرض فهو ركيزة قوة، لكن الإنسان استعمل سلاح العقل وسلاح العلم ليزيد سلطته ومكانته، ويسيطر على هذه الأرض فيفسد فيها ويسفك الدماء، فيحول القوة إلى وسيلة للظلم والاستعباد، وليجعل من وسائل قوته البناءة وسائل لشقائه وضياعه، وفي هذه الجزئية ميّز القرآن بين أصحاب العقول الذين سماهم “أولو الألباب” وبين الفئة الأخرى التي لا تستخدم العقل في الوجهة الصحيحة ولا تستخدمه، قال تعالى: “وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ” [الأعراف: 179].

ووصف الله تعالى هذه الحالة بعمى القلوب، قال تعالى: “أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ” ]الحج: 46[.
وهنا تحديداً يكمن الفرق بين صاحب العقل المؤمن الذي يستخدم عقله في سبيل الحق وصلاح البشرية، وبين من لا يستخدم عقله إلا ليكون عبداً لأهوائه، فيفسد في الأرض بدلاً من إصلاحها وهو لا يرتدع حتى يرى عذابه الذي يصور لنا القرآن الكريم في آياته حالة الندم على ضياع العقل وفساده، قال تعالى:  “وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ” ]الملك: 10[.

صاحب العقل الذي يوجه أدواته ووسائله وقدراته ليواجه المفسدين والمتكبرين والمتجبرين، ولينصر المستضعفين ويرتفع بهم من قاع المذلة والمهانة إلى ما وهبه الإسلام من كرامة، وهو إن فعل وأخذ بسنن الله والتزم طريق هدايته وحدود العمل ضمن تشريعه كان من الوارثين المستحقين لإرث هذه الأرض.

ولنا في قصة فرعون نموذجاً واضحاً للاستخدام السيئ للعقل والوسائل والأدوات، ولنا في قصص القرآن عبرة ندرك من خلالها كيف تسقط دولة الظلم مهما علا شأنها بالعلم والقوة، مادامت لا ترتكز على ركيزة الإيمان، قال تعالى: “إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِين، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنّ على الذين اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ” [سورة القصص: 4-5].

لقد ورث المستضعفون الأرض في النهاية، وكانوا أئمة فيها، وذلك لأنهم تمسكوا بحبل الله، وطوعوا ما سخره لهم من أجل الحق لا من أجل أهوائهم.

وليس بالضرورة أن يستخدم التائه عن الله أدواته المسخّرة له في الأرض ليبطش ويظلم ويسفك الدماء، فقد يكون من أصحاب العلم والأخلاق، لكنه في النهاية يحيا في عالم علمه وأخلاقه، لا يستند فيها على إيمان يبصره الطريق، وهذا اختياره الذي لا يجبره أحد على أن يغيره، ولأنهم لم يُفتنوا بعقولهم إلى حد الزيغ عن الطريق، ولأنهم أيقنوا بأن العقل سيظل تائهاً بلا وجهة ما لم يضئ مصباح الإيمان فيه كان لهم إرث الأرض فضل من الله عليهم ومنة.

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً