هوكينغ يرحل قبل أن يفهم “عقل الإله”!

أحمد دعدوش

 

أثبت لنا تاريخ العلم الحديث عجز العقل عن تصديق دعوى استغنائه عن البحث في أسئلة الوجود الكبرى، بل ظل القلق ملازما له حتى في مراحل الرخاء التي مر بها بين حملاته الدموية الرهيبة.

وشهد التاريخ المعاصر حالات كثيرة من الردة نحو الخرافة والأساطير، بل إن كثيرا من العلماء لم يتخلوا بسهولة عن بعض المفاهيم البائدة، فقد ظل أينشتاين مصراً على إيمانه بالحتمية التي تخلى عنها علماء الكم (الكوانتم)، فصرّح قبل وفاته للعالم الدانمركي نيلز بور بإيمانه بأن “الله لا يلعب النرد”، إذ كان يعتقد بأن الله الذي خلق هذا الكون المؤطر في حدود الزمان والمكان لا بد أن يسيّره بقانون كامل ومتناسق، وأن العقل البشري لن يعجز عن اكتشاف هذا القانون.

ويبدو أن الفيزيائي البريطاني ستيفن هوكينغ ظل متمسكا لمدة أطول بهذه الفكرة الجريئة، وبالرغم من تخليه عنها في سنواته الأخيرة فقد ظل مصرا حتى وفاته على ما هو أكثر جرأة، وهو رفض وجود الإله نفسه!

حمل هوكينغ لواء البحث عن ذاك القانون معظم حياته، وازدات ثقته عندما نجح كل من غلاشو وواينبرغ ومحمد عبد السلام في تطوير نظرية تجمع بين القوتين الكهرطيسية والنووية الضعيفة[1] في سبعينيات القرن الماضي، وكذلك عندما ظهرت عدة محاولات لدمج هاتين القوتين مع القوة النووية القوية، إذ أمكن جمع هذه الأخيرة مع القوة النووية الضعيفة في نظرية “النموذج المعياري”، وتسمى النظرية المتوقع اكتشافها لتوحيد القوى الثلاث بالنظرية الموحدة الكبرى GUT. ولو تم ذلك، كان من المقرر أن يتابع هوكينغ المهمة لتكميم نظرية الجاذبية -الخاضعة لنظرية النسبية- أسوة بالقوى الأخرى، وإيجاد جسر يربط بين نظريتي الكم والنسبية العامة، ومن ثم توحيد القوى الأربع في نظرية واحدة سوف يطلق عليها اسم “نظرية كل شيء”، الأمر الذي يصفه هوكينغ بإدراك “عقل الإله”!

ففي ختام كتابه الشهير موجز تاريخ الزمن “A Brief History of Time” الصادر عام 1988 يقول: “وعلى كل حال لو اكتشفنا فعلاً نظرية كاملة، فإنه ينبغي بمرور الوقت أن تكون قابلة لأن يفهمها كل فرد بالمعنى الواسع وليس فقط مجرد علماء معدودين. وعندها فإننا كلنا فلاسفة وعلماء وأناساً عاديين سنتمكن من المساهمة في مناقشة السؤال عن السبب في وجودنا، نحن والكون. لو وجدنا الإجابة عن ذلك، فسيكون في ذلك الانتصار النهائي للعقل البشري لأننا وقتها سنعرف عقل الله”.

 

هل يمكن أن نفهم كل شيء؟
في كتابه “هوكينغ وعقل الإله” “Hawking and the Mind of God” الصادر عام 2000، ينتقد أستاذ الفيزياء الكونية في جامعة نوتينغهام “بيتر كولز” زميله هوكينغ في أطروحته، ويرى أن مجرد طموحه لبلوغ هذا الهدف يعد أمراً خارجاً عن العلم، ويسرد لذلك أسباباً عدة، نلخصها كما يلي:

1- إن العالَم الذي نقوم بدراسته اليوم ونصوغ المعادلات الرياضية والقوانين الفيزيائية لتفسيره ليس هو العالم الواقعي على حقيقته، ويفسر الفيزيائي إدوين شرودنغر ذلك بأننا لا نستطيع التعرف على الشيء دون التدخل الذي قد يؤدي إلى تغيير في بعض خواصه، مما يعني استحالة إدراكه على ما هو عليه في حقيقته، وبالتالي فإن معرفتنا عن العالم أو حتى عن ذواتنا ليست موضوعية مئة بالمئة، بل تتدخل فيها الذات تدخلاً جوهرياً لا يمكن تجنبه.

2- إن معرفتنا بالعالم المادي مصاغة على هيئة معادلات وقوانين وضعية من صنع البشر، ويحق لنا أن نتساءل هنا إن كانت حقيقة هذه الطبيعة رياضية حقاً، كما يحق لنا ألا نكتفي برد العلماء والفلاسفة الذرائعيين بأن القوانين المتاحة ليست أكثر من وصف مفيد للطبيعة، وأن دلالتها ترتبط بجدواها التي ما زالت تتأكد كل يوم. إذ ما الذي يمنع من تحقق افتراض عدم جدواها في ظرف ما يمكن أن يقع في المستقبل؟ بل حتى في ظرف مماثل للذي يتكرر كل يوم؟ وما الذي يعطي تفسيراتنا هذه الحتمية سوى اعتيادنا عليها كما يقول ديفيد هيوم والغزالي؟

3- إن افتراضنا لإمكانية التوصل إلى نظرية كل شيء قد يتعارض مع احتمال اختلاف قوانين الفيزياء التي كان الكون يخضع لها في بداية نشأته، إذ تشير الدراسات الحديثة إلى أن المراحل المبكرة من عمر الكون -الأقرب إلى لحظة الانفجار العظيم- تتقارب فيها القوتان الكهرطيسية والنووية الضعيفة على نحو يصعب فيه التمييز بينهما، ومع أن هذا التغير محكوم بقانون آخر يعرف بنظرية الكهرباء الضعيفة، فإنه لا يمكن لنا التأكد من إمكانية تطبيق النظريات المعروفة اليوم على المراحل المبكرة لنشأة الكون حتى مع افتراض تمكننا من رسم صورة كاملة للتغيرات في الحرارة والطاقة التي مر بها، إذ لا نملك أي دليل على صحة تطبيق هذه النظريات في تلك الظروف الموغلة في القدم.

4- إن اعتقاد هوكينغ بأن مجرد التوصل إلى نظرية كل شيء سيؤدي إلى فهمه لـما يسميه “عقل الإله”، يقوم على افتراض أن وضعنا لأي قانون فيزيائي هو بمثابة فهمنا للأسرار الباطنة لهذا الكون، مع أن الكثير من العلماء يقرون بأن القوانين والنظريات ليست إلا وصفاً للحقيقة، وأنها تقتصر على وضع التنبؤات وتفسير المشاهدات والظواهر دون الغوص فيما هو أبعد من ذلك.

5- لم تعد النظريات الفيزيائية تحظى بالثقة التي تمتعت بها في السابق بعد أن تعرض المنطق الرياضي والهندسي لعدد من التطورات، مما ألقى بظلال الشك على قدرة الفيزياء القائمة على أسس رياضية على الكمال، وقد برهن النمساوي كيرت غودل عام 1931 عبر نظرية “عدم الاكتمال” على أن أي نظرية رياضية لا بد أن تحتوي على عناصر لا تقبل البرهنة من خلال النظرية ذاتها. ويلخص الفلكي جون بارو هذه الحقيقة بقوله إن العلم مبني على الرياضيات، ولا يمكن للرياضيات أن تكتشف الحقيقة كلها، فلا يمكن للعلم أن يكتشف الحقائق كلها.

لماذا كل هذه الضجة إذن؟
في الفصل الأخير من كتابه، يتساءل كولز عن سر الشهرة الكبرى التي تحيط بهوكينغ في الأوساط العامة، وذلك بالرغم من تواضع موقعه في الوسط الأكاديمي. ففي شهر ديسمبر من عام 1999، نشرت مجلة “عالم الفيزياء” Physics World نتائج استطلاع طُلب فيه من 130 من كبار فيزيائيي العالم تسمية خمسة فيزيائيين يرون أنهم أفضل من قدم إسهامات مهمة في مجال الفيزياء، وقد جاء أينشتاين على رأس القائمة بحصوله على 119 صوتا، تلاه إسحاق نيوتن، ثم جيمس كلارك ماكسويل، نيلز بور، وفيرنر هايزنبرغ، وجميعهم كانوا من الأموات. ولم يحل هوكينغ أولاً في قائمة الأحياء بعد الخمسة الأوائل، بل كان هانز بيث صاحب هذا الشرف، والطريف أن هوكينغ لم يحصل إلا على صوت واحد من بين 130 إجابة، مع أنه من أكثر الفيزيائيين شهرة في العالم اليوم!

يرد كولز هذه الشهرة الطاغية إلى ما تلعبه وسائل الإعلام من دور في صياغة الرأي العام، فصورة هوكينغ على هيئة رجل مقعد على كرسيه المدولب، والذي يتواصل عبر جهاز حاسوب صمم خصيصاً لمحاكاة صوته الخافت، لعبت دوراً في تحويل الرجل إلى أسطورة، ويمكننا أن نستشهد هنا بالهالة التي أحاطت أينشتاين في منتصف القرن العشرين لكونه ذاك العبقري الذي قلب موازين العلم، بالرغم من عجز رجل الشارع العادي عن فهم حقيقة تباطؤ الزمن مع تزايد السرعة التي جاءت بها نظرية النسبية، بل إن محاولة أينشتاين الأخيرة قبل وفاته بإصدار “نظرية كل شيء” كانت محط اهتمام الصحفيين حتى قبل صدورها، وما لبثت مسودة النظرية أن انتشرت بمجرد إعلانه عنها، إلى درجة تعليق صاحب أحد متاجر لندن صفحاتها الست على واجهة متجره الزجاجية كي يراها المارة، مع أنه لم يفهم منها شيئا!

وفي تقرير لصحيفة إندبندنت بتاريخ 11 أكتوبر 2011 تحت عنوان “العالم المجنون بستيفن هوكينغ”، يقول كولز إن العلماء الفيزيائيين يتداولون في جلساتهم الخاصة نفس النتائج التي جاء بها استبيان المجلة، إلا أنهم يعترفون بأنه من الصعب انتقاد هوكينغ علناً، لأن النقد سيُفسر تلقائيا على أنه غيرة وتحاسد بين الأقران[2].

ويقول أستاذ علم الفلك في كلية كوين ماري في لندن برنارد كار، وهو صديق هوكينغ، إنه يقر بأن هوكينغ فيزيائي عظيم إلا أن القول إنه أعظم العلماء بعد أينشتاين هو مبالغة، وهذا يعود إلى شهرته الجماهيرية، حسب قوله.

أما المحرر في مجلة عالم الفيزيائيين بيتر رودجرز فيقول إن هناك فرقا بين وجهات النظر داخل مجتمع الفيزياء وخارجه، ففي الداخل يُعترف بهوكينغ لكونه أنجز بعض الأعمال المهمة، إلا أنه لا يقترب من منزلة نيوتن، أما في الخارج فهو مشهور جدا بسبب كتابه المشهور “موجز تاريخ الزمن” الذي بيعت منه أكثر من 10 ملايين نسخة وتحول إلى مسلسل تلفزيوني.

وتقول صحيفة إندبندنت إن مراجعات المختصين لكتابه عند ظهوره لم تكن مشجعة، لكن الحملة الإعلامية الضخمة التي رافقت نشره هي التي جعلته أيقونة، خصوصا مع تركيز الناشرين على أنه كتاب علمي مبسط ومفهوم وأنه يحمل رؤى علمية تكشف ألغاز الكون وتتنبأ بفتح آفاق المستقبل، إلا أنه -بحسب الصحيفة- من الكتب التي يشتريها الناس دون أن يقرؤوها بل لتكون جزءا من مكتبة المنزل الاستعراضية.

أوباما يكرّم هوكينغ في البيت الأبيض

وتميل الصحيفة إلى القول إنه لولا إعاقة هوكينغ البدنية ما وصل إلى هذه الشهرة، حيث تهافت عليه منتجو الأفلام وصار نجما تلفزيونيا وهوليوديا، وظهر في مسلسلات “ستار تريك” و”سمبسونز” و”نظرية الانفجار العظيم”، وتلقى وسام الإمبراطورية البريطانية عام 1982، وأجرى مناقشات مع الرئيس الأميركي بيل كلينتون عام 1998، ثم تلقى وسام الحرية من الرئيس الأميركي باراك أوباما في 2009 أمام كاميرات العالم، وقدمت هوليود أخيرا سيرته في الفيلم العالمي “نظرية كل شيء” عام 2014 الذي حاز على جائزة أوسكار من بين خمس ترشيحات، بينما كان معظم زملاء هوكينغ يعملون بصمت على وضع نظريات ذات نتائج عملية تستحق التقدير، في حين لم تثبت فرضياته النظرية حتى اليوم.

قد لا نبالغ إذن في القول إن اختيار هوكينغ لعبارة “معرفة عقل الإله” لم تكن أكثر من فرقعة إعلامية، فبعد حصوله على أعلى درجات النجومية أصبح هوكينغ خبيراً في دور اللغة في لفت الأنظار، ويكفي أنه اعترف بنفسه أنه وضع تلك العبارة في ختام كتابه الجماهيري لزيادة أرباح الكتاب وأنه لو حذفها لانخفضت الأرباح إلى النصف[3].

 

اعتراف هوكينغ
لم يكن اعتراف هوكينغ باختياره لتلك العبارة التسويقية هو الأهم، فقد اعترف أيضا بأن الأبحاث في علوم الفيزياء والرياضيات لا يمكن أن تكتمل، تصديقا لمبدأ عدم الاكتمال لغوديل الذي أشرنا إليه، وهو ما صرح به في محاضرة بعنوان “غوديل ونهاية الفيزياء” عام 2002[4].

وكان هوكينغ قبل ذلك قد أشعل الأوساط العلمية ووسائل الإعلام بتصريحات تؤيد نظرية-إم M-theory معتبرا أنها ستكون مقدمة لنظرية كل شيء، بينما رد عليه عشرات العلماء بأن نظرية-إم ليست سوى رؤية فلسفية لا يمكن اختبارها، وأن مجرد الإيمان باحتواء الحقائق كلها في قانون نهائي شامل هو مقولة غير علمية.

وإذا كان اعتراف هوكينغ بالفشل ينم عن تواضع يُحسب له، فمن العجيب أن يصر الكثير ممن انبهروا بكتبه الجماهيرية على المضي قدماً في سبر أغوار الكون وكشف أسرار الوجود عبر الرياضيات وحدها، فهذه ليست سوى استعادة لمحاولات فيزيائيي العقلانية الكلاسيكية في استبدال الرياضيات بالوحي، وهي أفكار أكل عليها الزمان وشرب.

والأعجب من ذلك أن البروفيسور هوكينغ نفسه لم يتخلى عن الكثير من رواسب تلك الأفكار البالية، ومن أهمها رؤيته للوعي والوجود القاصرة على إطار المادة، وهو ما أكده في مقابلة لصالح صحيفة الغارديان [15 مايو 2011] عندما قال “أنا أعتبر الدماغ كجهاز كمبيوتر سيتوقف عن العمل عندما تفشل مكوناته. لا توجد جنة أو آخرة للحواسيب المعطلة؛ هذه قصة خيالية للأشخاص الذين يخافون من الظلام”[5].

وهذه النظرة التبسيطية للإنسان تنم عن جهل واضح بالوعي البشري وبثنائية العقل والجسم، فالوعي ما زال من أسرار العلم التي لم تُحل، وتشبيه العقل بالكمبيوتر ليس سوى انتكاسة لوجهات النظر المادية القديمة حول آلية عمل العقل البشري، فحتى لو قصرنا العقل والوعي على الدماغ المادي فنحن أمام كيان يتمتع بقدرات استثنائية على المعالجة المتوازية، وليست المتسلسلة كما تفعل كل الآلات “الذكية”.

ومما يغيب عن أذهان قراء هوكينغ غير المختصين أن معظم أطروحاته التي تثير الضجة الإعلامية هي أفكار فلسفية لا علمية، وهي في أحسن حالاتها تُناقَش ضمن أطر فلسفة العلم، بينما يزعم هو في مقدمة كتابه “التصميم العظيم” أن “الفلسفة ماتت… وعلماء الطبيعة باتوا هم حملة شعلة الاكتشاف في رحلتنا نحو المعرفة”، وكأنه يوهم قراءه بأن ما يطرحه من آراء إلحادية هي من نتائج العلم المثبتة بالتجربة والرياضيات، مع أن نظرياته العلمية نفسها عن الثقوب السوداء لم تثبت بعد، فضلا عن الفلسفية.

لذا يختتم الفيزيائي كولز كتابه قائلا “قد يتحقق الفيزيائيون عند وضع نظرية كل شيء من قصورها أيضاً عن بلوغ ذلك الهدف، وعندئذ قد يعمد علماء الكونيات إلى السعي وراء أسس ميتافيزيقية قد تكون مرضية أكثر مما عثروا عليه حتى الآن”.

ولكن للأسف، توفي البروفيسور هوكينغ في سن السادسة والسبعين قبل أن ينجح في فهم “عقل الإله”، وقبل أن تبلغ جرأته الاعتراف بوجود ذاك الإله الذي عجز هوكينغ عن الإحاطة بأسرار خلقه.


الهوامش

[1] يجمع العلماء اليوم على ردّ كافة القوى الموجودة في الطبيعة إلى أربع قوى رئيسة، هي الكهرطيسية، النووية القوية، النووية الضعيفة والجاذبية.

[2] http://www.independent.co.uk/news/science/the-crazy-world-of-stephen-hawking-9250150.html

[3] هوكينغ، الثقوب السوداء والأكوان الطفلة، ترجمة: حاتم النجدي، دار طلاس، ص38

[4] http://www.damtp.cam.ac.uk/events/strings02/dirac/hawking/

[5] https://www.theguardian.com/science/2011/may/15/stephen-hawking-interview-there-is-no-heaven

التعليقات

تعليقات