“نظرية كل شيء”.. حقيقة أم أسطورة؟ (1 من 2)

محمد عدنان شيط


في عام 1849، وبعد عدد كبير من التجارب الفاشلة لتوحيد قوة الجاذبية المكتشفة من نيوتن مع القوى الكهربائية، كتب العالم الشهير مايكل فاراداي في دفتر يومياته: “هنا تنتهي التجارب التي أقوم بها في الوقت الحاضر، النتائج سلبية. ولكنها لم تهز شعوري القوي بوجود علاقة بين الجاذبية والقوى الكهربائية حتى وإن لم أجد دليلاً على وجود مثل هذه العلاقة.”[1]

كانت هذه من أولى المحاولات العلمية لتوحيد قوى الطبيعة في نظرية واحدة تفسر لنا؛ لماذا تتصرف القوى الأساسية في الكون على هذا النحو، ومحاولة فارادي هذه كانت في وقت لم تُكتشف فيه القوى النووية الضعيفة والقوية بعد كمكونات أساسية لقوى الطبيعة.

بناء على أعمال فاراداي السابقة وضع الفيزيائي البريطاني جيمس كليرك ماكسويل معادلاته الشهيرة التي تصف سلوك المجالين المغناطيسي والكهربائي، وهكذا وحّد القوى الكهربائية مع القوى المغناطسية في قوة واحدة سميت القوى الكهرومغناطيسية.

أينشتاين

جاء الدور بعدها على أحد أعظم فيزيائيي القرن العشرين، ألبرت أينشتاين، ليحاول توحيد قوى الجاذبية مع الكهرومغناطيسية على نفس الأسس الهندسية تحت اسم نظرية المجال الموحد (Unified field theorey)، ولحوالي أربعة عقود من عمره وحتى موته عام 1955 باءت كل محاولاته بالفشل؛ بل قال بعض منتقديه إنه كان على أينشتاين أن يعمل بصيد السمك بدلاً من البحث عن مثل هذه النظرية!

وفي تلك المدة أيضاً أصبح هناك جو من الهوس العالمي يحيط بهذه النظرية، فالصحف الكبرى مثل نيويورك تايمز كانت تتحدث دائماً عما يمكن لأينشتاين فعله لإيجاد مثل هذه النظرية، ووصل الأمر ببعض قساوسة الكنائس لإعلان أن إيجاد هذه النظرية هو دليل على وحدة العالم كما جاء في رسائل بولس![2]

مع بداية القرن العشرين وانطلاق ثورة ميكانيكا الكم لتسبر أغوار الذرة والجسيمات الذرية، أضيفت كل من القوتين النووية الضعيفة والقوية إلى القوى الرئيسة في الطبيعة ليصبح عددها أربع قوى وتصبح على الشكل التالي:

1- قوة الثقالة أو الجاذبية وهي أضعفها ولكن تأثيرها شامل.

2- القوى الكهرومغناطيسية.

3- القوى النووية الضعيفة وهي المسؤولة عن النشاط الإشعاعي.

4- القوى النووية القوية وهي التي تمسك البروتونات والنيترونات معاً في نواة الذرة وتمسك الكواركات المكونة لهذه البروتونات والنترونات كذلك.

في عام 1967 تم توحيد القوى الكهرومغناطيسية مع القوى النووية الضعيفة بفضل جهود العالمين الباكستاني محمد عبد السلام والأمريكي ستيفن واينبرغ، ومنحا جائزة نوبل لمساهمتهما في هذا الإنجاز عام 1979.

وهنا يجدر القول إن الصعوبة الكبرى عند إيجاد النظرية الموحدة تتعلق بقوة الجاذبية، فالقوى الأخرى يمكن توحيدها بنظرية واحدة ولكن عندما يتم ضم الجاذبية إليها فإن الأمر يصل إلى طريق مسدود.

كان هذا سرداً موجزاً لأهم المحطات على طريق إيجاد نظرية كل شيء فما هي هذه النظرية؟

بشكل مبسط هي محاولة لتوحيد قوانين ميكانيكا الكم التي تصف الأشياء الدقيقة والميكروسكوبية في الكون (كالجسيمات الذرية وتحت الذرية) مع نظرية النسبية العامة لأينشتاين والتي تصف الأشياء الضخمة والكبيرة في الكون (كالنجوم والكواكب)، وهذا التوحيد يتم من خلال دمج القوى الأربعة الكبرى في الكون مع بعضها لتشكل نظرية كل شيء.

ويشير ستيفن هوكينغ في نهاية كتابه التصميم العظيم الى أن التوصل إلى مثل هذه النظرية سيمكننا من فهم الدقة والضبط الموجودين في الكون، وأن هذه النظرية ستكون نموذجاً للكون الذي يخلق نفسه![3].

نبدأ الآن تفصيلاً حول هذه النظرية، بداية من نظرية الأوتار التي يصفها ستيفن جابسر بقوله: “يعتبر ادعاء نظرية الوتر أن المكونات الأساسية التي تكون كل المادة ليست جسيمات، ولكنها أوتار. وتشبه الأوتار قطعة دقيقة من المطاط لكنها رفيعة جداً جداً ويُفترض أن يكون الإلكترون حقيقة وتراً يتذبذب ويدور بمقياس صغير للغاية يمنعنا من سبر كينونته حتى بأحدث مسرعات الجسيمات تطوراً حتى وقتنا هذا”.[4]

ففي الطبيعة الجسيمات الأولية المكونة لكل شيء في هذا الكون –طبعاً المكتشفة حتى الآن- تنقسم إلى نوعين:

1-بوزونات (Bosons) وهي الجسيمات التي تحمل الطاقة في المادة، ومن أمثلتها الفوتونات التي تحمل القوى الكهرطيسية، والغرافتونات التي تحمل القوة الثقالية أو قوة الجاذبية وغيرها.

2-فيرمونات (Fermions) والتي تنقسم إلى نوعين: كواركات مكونة للبروتونات والنترونات، ولبتونات كالإلكترونات وغيرها.

كان الطرح الأول لنظرية الأوتار في الستينات مع نظرية الوتر البوزونية (Bosonic string theory)، وجرى استبعاد هذه النظرية لاحقا لأنها تتنبأ بوجود البوزونات فقط كأوتار مع أن العديد من الجسيمات الأولية في الحقيقة هي فيرمونات كما بينت في التقسيم السابق.

ولكن في الثمانينات التي عُرفت فيما بعد بثورة الأوتار الفائقة الأولى، دخل مصطلح التناظر الفائق في سياق نظرية الوتر، وهو عبارة عن نظرية تربط قوة الجاذبية مع بقية القوى الكبرى بافتراض وجود علاقة ربط بين الجسيمات الأولية من فيرمونات وبوزونات.

وبعد ظهور التناظر الفائق، ظهرت على السطح خمسة نماذج جديدة لنظرية الأوتار ذات عشرة أبعاد، كل منها كان مرشحاً ليكون هو نظرية كل شيء.[5]

وفي منتصف التسعينات مع الثورة الثانية للأوتار الفائقة، أظهرت التجارب والنتائج أن كل النظريات أو النماذج الخمسة السابقة للأوتار هي أجزاء من إطار أكبر موحد لها أطلق عليه اسم نظرية إم (M-theory) وهي ذات أحد عشر بعداً، واحد منها زماني والبقية أبعاد فضائية، وتم إضافة هذا البعد الأخير ليصبح الوتر شبيها بالغشاء، أي غشاءً ببعدين وليس وتراً خطياً ببعد واحد، ومن هنا أصبحت النظرية النهائية ذات أحد عشر بعداً. وانضمت إليهم أخيراً نظرية الجاذبية الفائقة (Supergravity theory) ليصبح لنظرية إم أو نظرية كل شيء ستة أضلاع رئيسة يشبها الفيزيائي الأمريكي براين غريين بنجم البحر ذي الستة أذرع.[6]

وسنستعرض في الجزء الثاني أهم الانتقادات الموجهة لهذه النظرية.


الهوامش

[1] George Gamow ,the great physicists from Galileo to Einsten,Harper&Brothers,1961 p.149

[2] والتر إيزاكسون، أينشتاين حياته وعالمه، ترجمة هاشم أحمد، كلمات عربية للترجمة والنشر ،2010 ص 350 وما بعدها

[3]  ستيفن هوكينغ ليونارد ملودينوو، التصميم العظيم، ترجمة أيمن أحمد عياد، دار التنوير للطباعة والنشر،2013 ص216، 217 بتصرف

[4] ستيفن جابسر، الكتاب الموجز لنظرية الوتر، ترجمة إيمان طه أبو الذهب، المركز القومي للترجمة ،2016 ص7 وما بعدها

[5] John Gribbin ,In search of the multiverse, John Wiley&SonsLInc.,Hoboken, New Jersey,2009 p.152

[6] برايان غرين، الكون الأنيق، ترجمة فتح الله الشيخ، المنظمة العربية للترجمة،2005، ص315 وما بعدها.

التعليقات

تعليقات