“نظرية كل شيء”.. حقيقة أم أسطورة؟ (2 من 2)

محمد عدنان شيط


استعرضنا في الجزء السابق موجزا لنظرية كل شيء، ونبدأ الآن بسرد مجموعة من أهم الاستنتاجات والاعتراضات على وجود نظرية لكل شيء:

1- على مدار التاريخ -وخاصة في القرنين الماضيين- أعلن العديد من العلماء المشهورين أننا نكاد نصل الى تفسير لكل شيء نظرياً ولم يتبق أمامنا سوى بحث التطبيقات العلمية، ومن هؤلاء ألبرت ميكلسون وكلفن وستيفن هوكينغ وستيفن واينبرغ.

ويشبه حال هؤلاء العلماء حال ذاك الطفل الصغير الذي تعلم جدول الضرب في علم الحساب فظن أنه بلغ أقصى ما قد يبلغه إنسان، وأنه امتلك ناصية كل العلوم، ولكن في كل فترة نتفاجأ باكتشافات جديدة تزيد معها حيرة العلماء وتتزايد معها أسئلتهم حول الكون.

بول ديفيز

2- وصف بول ديفيز البحث عن نظرية كل شيء بأنه أصبح شيئاً كالبحث عن الكأس المقدسة للفيزيائيين وأن فكرة كهذه بلا شك مضللة. واستخدم ديفيز هنا عبارة الكأس المقدسة كناية -بل استحالة- إيجاد مثل هذه النظرية.

فالعلماء مثلاً حتى الآن عاجزون عن وضع نظرية تشرح آلية عمل بعض أجهزة جسم الإنسان، فكيف يريدون فهم كل شيء في الكون من خلال هذه النظرية.

3- هناك اعتراضات على نظرية كل شيء من علماء كبار في الفيزياء لهم وزنهم، فكما مر معنا في الجزء السابق فإن أحد من ساهم بتوحيد القوى النووية الضعيفة مع القوى الكهرومغناطيسية هو العالم الباكستاني محمد عبد السلام، ولكن هذا العالم نفسه يؤكد أنه لن يكون باستطاعتنا الحصول على نظرية كل شيء لأننا لا نستطيع اختبارها، فيقول: “أن نكون قادرين على الحصول في يوم ما على ما يسمى نظرية كل شيء، فأنا شخصياً لا أعتقد ذلك. فعلى كل حال يجب ألا نؤمن بوجود نظرية تصلح حتما فيما يتعدى إمكان اختبارها”[1]. ثم يتحدث عن أن إجراء مثل هذا الاختبار يتطلب إنشاء معجل جسيمات يبلغ طوله عشر سنوات ضوئية على الأقل! وهنا تظهر إجراء مثل هذا الاختبار.

من المعترضين أيضاً على وجود مثل هذه النظرية العالم الشهير ريتشارد فاينمان صاحب الإسهامات الكبيرة في ميكانيكا الكم، والذي يؤكد أن فهم الحوادث يختلف عن تحليلها ومعرفة ماهيتها ويشبهها بلعبة الشطرنج فيقول: “الإنسان يستطيع أن يتعلم كل قواعد الشطرنج لكن هذا لا يكفي كي يلعب جيداً، وكذلك يستطيع أن يتعلم كل قواعد الفيزياء، والواقع أننا نعرفها بدقة كافية فيما يخص الظواهر العادية على الأرض. لكن هذا لا يعني أننا نستطيع تحليل كل شيء”. وهذا رد هام على هوكينغ الذي يدّعي في نهاية كتابه التصميم العظيم أننا بمعرفة نظرية كل شيء سنفهم التصميم العظيم لهذا الكون!

ستيفن واينبرغ

4- على عكس عبد السلام وفاينمان فإن الفيزيائي الملحد المشهور ستيفن واينبرغ يؤيد وجود نظرية لكل شيء بشدة وأنها متخفية بين الذرات والمجرات وتنتظرنا لاكتشافها، ويثق بأن العلماء سيكتشفونها قريباً حيث يقول: “حسب تخميني الشخصي توجد نظرية نهائية ونحن قادرون على اكتشافها. وقد تعطينا التجارب التي سوف تستخدم المصادم الفائق نتائج جديدة يستطيع النظريون أن يستكملوا بها المعلومات عن النظرية النهائية… حتى أننا قد نستطيع أن نجد من بين النظريات الوترية نظرية مرشحة لمنصب نظرية نهائية”[2].

ولكن الفيزيائي الآخر فريمان ديسون يرد على ادعاءات واينبرغ فيقول: “أنا لا أثق بأحكام واينبرغ عن الأسئلة الفلسفية لأنني أعتقد أنه يبالغ جداً بتقدير استطاعة أو مقدرة العقل البشري لإدراك مجمل الطبيعة… أنا أجد أن فكرة نظرية نهائية هي فكرة بغيضة لأنها تنتقص من غنى الطبيعة وغنى المصير الإنساني على حد سواء. ثم يشير فريمان إلى قول نيوتن الرائع: “أنا لا أعرف ما أبدو عليه أمام العالم ولكنني بالنسبة لنفسي فأنا مثل طفل صغير يلعب على شاطئ البحر مسلياً نفسي بإيجاد حصاة أنعم أو صدفة أجمل من المعتاد بينما محيط عظيم من الحقيقة يرقد غير مكتشف أمامي.”[3]

5- هذه النظرية تتعلق بالفيزياء فقط فكيف تم إغفال باقي فروع العلم؟ وكيف تم اختصار كل شيء بالفيزياء فقط؟ كيف يدعي بعض الفيزيائيين أنهم سيضعون نظرية لكل شيء من خلال ميدان الفيزياء فقط؟ من أعطاهم الأولوية لهذا الأمر؟ يقول روبرت شيلدراك صاحب كتاب (وهم العلم): “قد يدعي أصحاب دراسات الوعي أن لهم الأولوية -أي بوضع نظرية لكل شيء- لأن الفيزياء تنتج من قبل الدماغ البشري وتعتمد بشكل كلي على الوعي البشري. فمعادلات ماكسويل ونظرية الأوتار الفائقة ليست موجودة كحقائق مستقلة: إنها بنى عقلية”[4]

هذا يدخلنا في جدل الاختزالية (Reductionism) حيث يعترف واينبرغ بهذا الأمر بصراحة فيقول: “فيزيائيو الجسيمات العنصرية هم الأكثر عرضة أن يدعوا اختزاليين، وغالباً ما كان كره الاختزالية سبباً في سوء العلاقات بينهم وبين العلميين الآخرين.”[5]

والاختزالية بتعريفها البسيط هي محاولة تفسير النظريات أو الظواهر الطبيعية من خلال وصف أبسط لشروطها أو لمكوناتها الأساسية، وحسب المنهج الاختزالي فإن بعض الحقائق أكثر أهمية من حقائق أخرى، فمثلا فيزيائيو الجسيمات يعتقدون أن الكيمياء يمكن إرجاعها للفيزياء وكذلك يعتقد بعض علماء البيولوجيا الاختزاليين أن دراسة حمض الدنا (DNA) ذات أهمية أكبر من باقي فروع البيولوجيا لأنها ستقودنا إلى سر الحياة بزعمهم، وما يهمنا في الموضوع هنا أن نظرية كل شيء تجسد الاختزالية بأبهى صورها بلا شك. ففي السابق وحتى الآن وُجهت العديد من الانتقادات لهذا المنهج الاختزالي في العلم، والكثير من العلماء يعتقدون أن فيزياء الجسيمات ليست هي الفرع الأشد أهمية في العلوم وأن هناك علوما أخرى ذات أهمية كبرى أيضاً، كما أن هذا المنهاج سيؤدي بالضرورة إلى الانتقاص من بقية الفروع العلمية، وكما هو معروف يتطلب هذا المجال إنفاقاً هائلاً وخاصة عند بناء المصادمات عالية الطاقة التي يكلف إنشاؤها مليارات الدولارات.

جيمس جينز

6- أخيراً يقول عالم الكونيات جيمس جينز، وبعقلانية شديدة وبكلمات تختصر الموضوع: “إن مراجعة الفيزياء الحديثة أظهرت لنا أن كل المحاولات لوضع نماذج أو صور ميكانيكة قد فشلت ولا بد أن تفشل، لأن أي نموذج أو صورة ميكانيكية لا بد أن يمثل الأشياء على أنها تقع في المكان والزمان، بينما اتضح مؤخراً أن العمليات النهائية للطبيعة لا تقع في المكان والزمان ولا تسمح بالتمثيل فيهما  وعلى هذا يكون فهم العمليات النهائية للطبيعة محرماً علينا إلى الأبد، فلن يمكننا أبداً –ولو في الخيال- أن نفتح مظروف هذه الساعة لنرى كيف تتحرك تروسها، والهدف الصادق للدراسة العلمية لن يكون أبداً حقائق الطبيعة؛ بل مشاهداتنا الخاصة للطبيعة وحسب”[6].


الهوامش

[1] بول ديفيس جوليان براون، الأوتار الفائقة نظرية كل شيء، ترجمة أدهم السمان، دار طلاس،1993 ص157

[2] ستيفن واينبرغ، أحلام الفيزيائيين بالعثور على نظرية نهائية جامعة شاملة، ترجمة أدهم السمان، دار طلاس، الطبعة الثانية 2006 ص184

[3] Freeman Dyson ,Dreams of earth and sky, The New York review of books, Hudson street ,2015 p.154

[4] Rupert Sheldrake, The science delusion,Hodder&Stoughton.,UK company,2013 p.324

[5] ستيفن واينبرغ، أحلام الفيزيائيين بالعثور على نظرية نهائية جامعة شاملة، ترجمة أدهم السمان، دار طلاس، الطبعة الثانية 2006 ص51

[6] جيمس جينز، الفيزياء والفلسفة، ترجمة جعفر رجب، دار المعارف،1981 ص237

التعليقات

تعليقات