كيف يدربنا الصوم على التغيير؟

زكاء مردغاني


يقيس علماء إدارة الموارد البشرية نجاح المؤسسات بمعيار جوهريّ؛ هو قدرة هذه المؤسسة نظاماً وميزانيّةً على “تدريب العاملين فيها”، وهو معيارٌ  يُحدّد نجاحها الآني والمستقبليّ، إذ لا يمكن لمؤسسةٍ لا تُدرّب أعضاءها أن تتطوّر، فضلا عن أن تبقى واقفةً على قدميها، وإذا صحّ أن نعدّ الإسلام مؤسسةً كبيرةً نظامها الداخليّ موقّعٌ من الذات الإلهيّة، وصحّ أن نعايرها بمعايير المؤسسات الإنسانيّة، فإنّ “التدريب” فيها يبهرنا بأنّه “مجاني”، “منظّم ومحدّد”، “شاملٌ لجميع أعضاء المؤسسة”، وأنّ آليّاته قادرةٌ على إعادة إحياء المؤسسة إن تعثّر أعضاؤها في الطريق.

إنّ التدريب الذي يقدّمه النظام الداخليّ الإلهيّ (ولله المثل الأعلى) للمسلمين لمدّة شهرٍ واحدٍ من كلّ عام هو الصيام الذي نزعم هنا أنّه ليس إلا تدريباً للمسلم على أن يكون مسلماً حقّاً، إذ إنّ حقيقة المسلم هي الحقيقة التي يعيشها الصائم في الشهر العظيم، فإذا عاش المسلم بحقيقته شهراً من كلّ عام، عاشت فيه هذه الحقيقة بقيّة العام، فالصيام يحول الأفكار التي يتلقّفها المسلم من الكتاب والسنة، ويحفظها في عقله، ويؤمن بها في قلبه تحويلها إلى حياة عمليّة يعيشها بجسمه وروحه فترقى بذلك من أن تكون معارف مجردة إلى أن تصبح معارف محسوسة ملموسة حيّة، تلك الآليّة التي ارتأتها الحكمة الربانيّة لتدريب المسلم على معاني الإشراق الإلهي على النفس الإنسانية.

وإذا كان الأمر كما نقول، فما هي حقيقة المسلم التي يدرّبه شهر الصيام عليها؟ والتي تتجلّى واضحةً فيه و هو صائم؟ لاستجلاء ذلك، سنحاول فيما يلي تتبع المعاني التي يتدرّب المسلم عليها في هذا الشهر، والتي ينبغي أن يخرج المسلم بعد الالتزام بالصيام لشهر كامل، يخرج متقناً لها عامَه كاملاً.

1- العبودية والمساواة، إذ يتساوى الناس كلّهم في ذلك الفقر الإجباري، وتكون الأمة كلها على حالة نفسية واحدة يستوي فيها الفقير بالغنيّ، يجوع فيها الغنيُّ تماماً كما يجوع الفقير، شأنُ الصيام في ذلك شأن الصلاة والحج في تحقيق المساواة، ليدرك الناس الحقيقة الإنسانية الخالدة «الخلق كلهم عباد الله» ويتحقق في نفوسهم معنى العبودية الصحيح! ويتعمّق هذا المعنى في النفوس حين يخرج الناس ليجتمعوا في صلاة التراويح، فيستوون بين يدي ربّهم يركعون ويسجدون.

2- مراقبة الله، فالصّوم عبادةٌ سريّةٌ لا يطّلع على حقيقتِها إلّا الله، وهو عبادةٌ تستقصي الطاقة حدّ الوسع، فالصّائم يجوع ويعطش ويترفّع عن شربة ماءٍ أو لقيمةٍ صغيرةٍ استجابةً للأمر الإلهي، لا رقابةَ عليه في ذلك إلّا استحضار أنّ الله هو الرقيب.

3- تربية الإرادة، فالصائم يمتنع بإرادته عن شهواته الجسدية، فتتدرّب فيه القدرة على الاختيار بين الحق والباطل، وتنمو فيه إرادة الخير، والقدرة على الاستجابة لوازعها في نفسه. والمرتبة التي يرتقي إليها الصائم في تكوين الإرادة هي أعلى منزلة يمكن أن تبلغها إرادة المرء حين تكون شهواته منقادة لفكره، ورغباته مذعنة للحس الديني فيه.[1]

إنّ كون الصيام عبادةٌ سريّةٌ بين العبد وربه يعمّق معنى الحريّة في الالتزام بهذه العبادة بعيداً عن أيّ سلطةٍ اجتماعيّة تماماً كما يعمّق معنى المراقبة للّه في السرّ قبل العلن، وهذه الحريّة في الاختيار، والإرادة الخاضعة للفكر لا للحس هي الحرية الحقيقية التي ينضبط بها المسلم، ليكون حرّاً عبداً لله وحده.

4- الرحمة، فالإنسان إذا صام يومه كاملاً، صياماً يمتنع فيه امتناعاً باتا عن أي غذاء يدخل جوفه، حتى استنفد طاقته، صارت نفسه قادرةً على الإحساس بغيره ممن يجوع لفقره، وأصغى لصوت ضميره الذي يوجّهه إلى الصدقة ومد يد العون لأخيه الفقير الجائع بنفسه لا بإرادته. ومن هنا جاءت صدقة الفطر ترجمةً عمليّةً سلوكيّةً لانغراس هذا المعنى في نفس المسلم، وكانت فرضيّتها على جميع المسلمين تأكيداً لارتباط خُلُقِ العطاء بالمسلم الرحيم الذي يسلم الناس من لسانه ويده، وتمتدّ يده بالخير وتمسك عن الشرّ استجابةً للوازع الإيمانيّ في داخله.

كلُّ ما ذكرنا من المعاني يندرجُ تحت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم: «كُلّ عملِ ابنِ آدمَ لهُ إلّا الصّيام فإنّه لي، وأنا أجزي به، والصّيامُ جُنّة، وإذا كان يومُ صومِ أحدِكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحدٌ أو قاتلَه، فليقل: إنّي امرؤٌ صائمٌ، والذي نفس محمدٍ بيده، لَخَلُوف فم الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسكِ، للصّائمِ فرحتانِ يفرحُهما، إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربّه فرح بصومه» [رواه البخاري]، فقوله عليه السلام “الصيام جُنّة” أي وقاية، وقايةٌ للإنسان من شرور نفسه و وقايةٌ للمجتمع من شروره الداخليّة، وإنّ الصائم لا يسبُّ أحداً و لا يقاتله، ذلك أنّه قد تحققت في نفسه معاني القرب من الله والمعية الإلهية، فهو أرقى من النزول إلى مراتب الشر البشريّ، لذلك فهو يجيب بقوله «إني امرؤ صائم» يعني أنا فوق أن أجيبك.

وفي الحديث إشارة لطيفة تستوقفنا فالحبيب صلى الله عليه وسلم يقسم بأنّ تلك الرائحة المنبعثة من فم الصائم هي عند الله أطيب من ريح المسك، ليؤكد قرب الصائم من ربه وارتقائه إلى تلك المراقبة اليومية السامية.

فليكن لنا من مراقبة الله صدقةً مخفيّةً لا تعلم شمالُنا فيها شيئاً عمّا أنفقت يمينُنا، وليكن لنا من العبوديّة إقبالٌ إلى التراويح في المساجد نتأمّل في إقبال القلوب كلّها إلى ربٍّ واحد، وليكن لنا من تربية الإرادة توبةٌ نصوحةٌ نُقلع فيها عن الذنوب، ونجاهد أنفسنا و هواها، ونجتهد في ضبط ألسنتنا التي يكبُّ النّاس على وجوههم في جهنّم من حصائدها، ولنأخذ الكتاب بقوّةٍ تلاوةً واستماعاً و فهماً وتأمّلاً حتى يرسخ خلق الرّحمة في قلوبِنا، فنبلغ يوم الجائزة وقد اجتزنا التدريب ناجحين، ويبقى من أثر رمضان ما يجعل حياتنا كلّها كرمضان.


[1] الرافعي؛ مصطفى صادق: وحي القلم ، ط مؤسسة الرسالة 2000 ، ج 2 ص 349، (بتصرف).

التعليقات

تعليقات