شبهات القرآنيين

عبد اللطيف المحيمد

 

يستمد المسلم أحكامه الشرعية وأوامره ونواهيه من المصادر التشريعية ومن أهمها القرآن الكريم والسنة النبوية، وهما جناحا التشريع الإسلامي، ولا يمكن الاستغناء عن أحدهما، ذلك أن السنة جاءت بشروح لِما جاء مجملاً في القرآن الكريم، وربما جاءت بعض الأحكام مؤكدة لما جاء به، وقد تأتي السنة بأحكام منفصلة عما جاء فيه القرآن.

وللأهمية الكبيرة التي تتولاها السنة النبوية في التراث الإسلامي الفقهي والعقدي، اهتم علماء الحديث بتنقيحها وتمييز صحيحها من ضعيفها، ومن طالع كتب الحديث ومتونه سيدرك الجهد الكبير الذي بذل للحفاظ على السنة.

واستمر الفقهاء على مر العصور بالاعتماد على القرآن والسنة، حتى كانت نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حيث نبتت نابتة سوء بين المسلمين في بلاد الهند، وذلك بنشأة ما سمي بطائفة “القرآنيين” التي أخذت تدعو إلى نبذ السنة والاعتماد على القرآن لوحده في استنباط الاحكام.

 

النشأة
ظهرت هذه الدعوة الباطلة في الهند والباكستان بعد تقسيم شبه القارة الهندية بتشجيع من المستعمر الإنكليزي، حيث سبب المسلمون قلقاً للإنكليز بسبب عدم إذعانهم لهم، فاستمال الإنكليز بعض رجالات الدين الإسلامي وشجعوهم على أفكار تخالف بديهيات السنة النبوية، ومنها نبذ السنة وحصر الدين بالقرآن، وهذا ما أدى بدوره إلى تأويل أحكام الإسلام بما يتناسب مع السياسة البريطانية في الهند، وكان من أهم رجالات الطائفة القرآنية:

أحمد خان

ـ أحمد خان: كان له قصب السبق في الدعوة لهذه الأفكار، وقد ألف كتباً عدة، منها تفسيره للقرآن الذي أول فيه تعاليم الإسلام بتأويلات باطنية لا تنسجم مع اللغة العربية التي نزل بها الدين، وادعى أن السنة النبوية لم تدون لأمد طويل، بل ظلت ذلك الأمد حبيسة الصدور، مما هيأ الأمر للزيادة عليها والنقص منها وتغيير محتواها ووضع الكثير منها ونسبة الكل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما أفقد الثقة في مجملها، وجعل الشك يشملها كلها.

ـ عبدالله جكرالوي: نسبة إلى بلدة “جكرالة” التابعة لإقليم البنجاب، وهو من رواد الطائفة، وله عبارة شهيرة تقول “هذا القرآن هو وحده الموحى به من عند الله تعالى إلى محمد صلى الله عليه وسلم أما ما عداه من السنة فليس بوحي”، وكان مشهوراً بتبعيته للإنكليز وإخلاصه لهم، وقد تجسدت أفكاره بعد وفاته بظهور فرقة سمت نفسها “الأمة المسلمة أهل الذكر والقرآن”.

ـ أحمد الدين الأمرتسري: اعتمد إنكار السنة، وكانت له صلات بالقاديانيين، وقد أنشأ مجلة تتكلم باسم الجماعة.

ـ غلام أحمد برويز: أعلن موقفه المنكر للسنة في خطبة ألقاها بمسجده، وأنشأ مجلة “طلوع الإسلام” ونادي “طلوع الإسلام” وانتقل بدعوته إلى كراتشي، فتبعه خلق فيها.

ـ عبد الخالق مالوادة: كان رجل أعمال، وقد دعم الطائفة بالمال، وأنشأ حركة التثقيف الإنسانية.

 

شبهات القرآنيين
الشبهة الأولى: يزعم القرآنيون أن القرآن يكفي في بيان الأحكام الشرعية كلها، بجملتها وتفصيلاتها، وبذلك لا حاجة إلى السنة، ويستدلون بقوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 38].

ولاشك أن هذه الحجة ضعيفة، ذلك أن الأمة اجتمعت على أن القرآن اشتمل على الدين مجملاً لا مفصلاً، ثم شرحته وفصلته السنة وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وأقرب مثال على ذلك الصلاة، فقد وردت مُجمَلة في القرآن مفصَّلة في السنة.

الشبهة الثانية: يزعم القرآنيون أن السنة ليست وحياً، وإنما هي اجتهاد بشري للنبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك فهو يصيب ويخطئ فيها، فلا تصلح للاعتماد عليها، وعادة ما يستدلون بحادثة تأبير النخل الشهيرة حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يتركوا النخل فلا يؤبِّروه ويلقحوه فأطاعوا أمره ففسد النخل، وخسر الناس ثمار نخيلهم.

والجواب عن هذه الشبهة يتبين من خلال ضرورة التفريق بين أفعال النبي صلى الله عليه وسلم التشريعية وأفعاله بموجب بشريته، فحادثة تأبير النخل تتجلى فيها بشريته بشكل واضح، يدل على ذلك قوله بعد حادثة التأبير: “أنتم اعلم بأمور دنياكم”، وليس فيها تشريع، ولذلك أكد العلماء على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يخطئ في أمور التشريع كما قال تعالى: {لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3ـ 4].

الشبهة الثالثة: زعموا أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال ليست لها صفة العموم الزماني والمكاني، إذ هي أحكام أصدرها الرسول صلى الله عليه وسلم في زمانه وفقاً لظروف أصحابه الذين كانوا معه، وقد انقضى ذلك الزمان بأشخاصه وظروفهم وأحوالهم، وتغير الزمان وتغيرت الظروف، ومن ثم لم تعد تلك الأقوال والأفعال الخاصة بذلك الزمان صالحة لزماننا ولا لظروفنا، واستدلوا على شبهتهم بأسباب النزول وقالوا إنها كانت خاصة بزمن النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذه الشبهة ضعيفة جداً، إذ لم يسبق أن فهم أحد من الأمة أن السنة خاصة بأيام النبي وأحواله، وأما أسباب النزول فيلزمهم بناء على كلامهم أن يرفضوا القرآن كذلك، لأن لآياته أسباب نزول، فقبول القرآن ورفض السنة تحكّمٌ لا دليل عليه، وعلماء الأمة لم يفرقوا بين الكتاب والسنة في قبول الأحكام الشرعية الواردة فيهما، فالقرآن وحي والسنة الصحيحة وحي كذلك.

الشبهة الرابعة: زعموا أن القرآن تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظه فقال: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9]، لذلك ظل القرآن هو الحق الوحيد في دين الله الإسلام، فلم يُحرَّف ولم يبدل، فيجب الأخذ به، أما السنة فلم يتكفل الله بحفظها فضاعت ودخلتها شوائب وموضوعات، فوجب تركها.

والرد على شبهتهم هذه يكون ببيان أن القرآن هو وحي من الله لفظاً ومعنى، أما السنة فهي وحي من الله بالمعنى، وأما اللفظ فهو من النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك جاز روايتها بالمعنى، ولم يجز ذلك بالقرآن، وقد حفظ الله السنة النبوية وسخّر لها علماء بذلوا أوقاتهم من أجل تدوينها وتمييز صحيحها من ضعيفها، ومتون الحديث كصحيحي البخاري ومسلم وسنن الترمذي والنسائي وأبي داود وابن ماجه ومئات الكتب غيرها تشهد لذلك.

 


أهم المراجع
القرآنيون وشبهاتهم حول السنة، خادم حسين إلهي بخش، مكتبة الصديق، الطائف، ط: 2، 1421هـ، 2000م.

القرآنيون: مصلحون أم هادمون، عمرو الشاعر، مكتبة النافذة، 2009م.

القرآنيون: نشأتهم عقائدهم أبرز أعلامهم أدلة القرآنيين وتفنيدها، علي محمد زينو، دار القبس، دمشق، ط: 1، 1432هـ، 2011م.

إجابة السائل شرح بغية الآمل، الصنعاني، تحقيق القاضي حسين بن أحمد السياغي والدكتور حسن محمد مقبولي الأهدل، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1986.

قواطع الأدلة في الأصول، السمعاني، تحقيق محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1418هـ/1999م.

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً