الموقف من الحداثة.. بين الاستلاب والاستيعاب

خواطر على هامش كتاب “الأسس البنيوية لفكر الحداثة الغربية” للدكتور محمد عادل شريح

خالد حسن

 

إن الموقف من الفكر الغربي والحضارة الغربية يبقى من أهم الأسئلة المطروحة على المستوى النظري بين رافض قطعي لها ولمنتجاتها، ومتبن لها كليا، وبين الموقف المعتدل القائل بأخذ ما يناسبنا وينسجم مع مجتمعنا ومبادئنا. وهذا الأكثر شيوعا والذي ينتمي إليه العدد الأكبر من المفكرين والباحثين لأنه يعتبر موقفا وسطيا يتيح لصاحبه مجالا أكبر للمرواغة والمناورة.

لكن قبل أن يعطي المؤلف رأيه في هذا الفكر ومنتجاته الحضارية، يقدم دراسة معمقة لأهم أسسه ومرتكزاته، وهي: الإنسانوية، العقلانية، الطبيعية، التأليه الطبيعي، التقدمية، الوضعية، والمادية.

وعند البحث عن معاني هذه المصطلحات، يستنتج توافقا نظريا وعمليا بينها، وملخصها التركيز على الإنسان وإعطائه المركزية والسيادة على كل شيء، باعتباره قادرا على وضع معاييره الخاصة، واعتبار العقل المصدر الجديد للحقائق، ونفي كل أشكال الميتافيزيقيا (الدين والغيب)، واعتبار الطبيعة المادية هي الوجود كله، وإعطاء معنى آخر للألوهية، وهي أن الإله موجود مع إنكار تدخله في شؤون الحياة، وأن الحياة تسير تلقائيا نحو الأمام، والإقرار بأولية المادة في الوجود و ثانوية أي شكل آخر للوجود.

يستعرض كتاب “الأسس البنيوية لفكر الحداثة الغربية” أهم المبادئ الأساسية المكونة للحداثة الغربية وانعكاسها على الثقافة العربية، حيث يرى المؤلف أن الموقف من الفكر الغربي الحديث يكتسب أهميته من حيث حضوره في فكرنا لا شعوريا. وعلى الرغم مما يثيره هذا الأمر من الجدل، فما زالت هناك الكثير من الجوانب التي تستحق البحث فيه حتى اليوم؛ لأننا لو ألقينا نظرة على الساحة الثقافية العربية وما أنتجته على مدار قرنين حتى يومنا هذا لوجدناها مشبعة بروح الغرب وثقافته إلى درجة كبيرة.

من خلال هذا السرد السريع نستنتج أن الفكر المادي الغربي منظومة متكاملة لا يمكن الأخذ ببعضها دون الولوج فيها، وهي تمتاز بعدم التجانس الحضاري مع غيرها، أي أنها تفرض منطق الهيمنة والإلغاء في تعاملها مع الآخر، وذلك بشكل يخالف السيرورة التاريخية للحضارات.

لذلك، يجب علينا قبل إصدار موقف منها أن نستعيد عافيتنا الفكرية، وأن نخرج من دائرة التبعية المفروضة علينا، ثم نصدر حكمنا انطلاقا من منظومتنا الفكرية الخاصة التي تكرس المبدأ الإلهي أصلا للوجود والمعرفة والاجتماع، والتي نستنتج من خلالها أن الفكر الغربي ومنطلقاته النظرية يقعان على النقيض من حقائقنا الكونية الكبرى، لكنها لا تشكل نقضا لرؤيتنا الأكثر شمولا للحركة والتاريخ.

إن الفكر الغربي بقيمه المادية وبنتائجه المشاهدة حاليا ما هو إلا مؤشر للانحطاط، وهذه حقيقة لا يستطيع إدراكها إلا من تحرر من أسر عبودية الأشياء لأن قيمة حضارة ما تقاس بما توفره من شروط تحقق غاية الوجود الإنساني على مستوى الفرد والجماعة.

لكن الفكر الغربي يمثل واقعا مفروضا سواء قبلناه أو رفضناه، لذلك يجب استيعاب هذا الفكر عبر إدراك مذاهبه وعقائده استنادا إلى منطلقاته الفكرية، ولا يعني ذلك إقراره أو التصديق على مبادئه، بل فهم مبررات وجوده والأسباب التي أدت إليه، على الرغم من كل ما يحمله من تناقض مع أبسط حقائق الوجود والفطرة الإنسانية، فضلا عن مشاركة المثقفين في الغرب الذين باتوا يدركون مخاطر هذه الحضارة، سعيا إلى تقديم حلول للأزمات المعرفية والأخلاقية والروحية التي أنتجتها الحضارة الغربية.

أعتقد أن استيعاب هذه الحضارة بالشكل الموصوف أعلاه هو الذي سيقود إلى إلغاء معادلة الأستاذ والتلميذ، فهذه المعادلة تحولت إلى عقدة نقص وعقبة أمام الإبداع الفكري الحر، ما سيحول الموقف من رفض سلبي عاجز ومكابر إلى رفض بناء ومؤشر لرؤية حضارية لها خصوصية مستمدة من إدراك معنى خاتمية الرسالة المحمدية والعقيدة الإسلامية.

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً