الحجاب والأخلاق

إيمان محمد


تعرف الأخلاق اصصلاحاً على أنها القواعد المنظمة لسلوك الإنسان، والتي تتحكم في أفعاله، وردود أفعاله التي تصدر عنه، فإما أن تكون حسنة فيكون الإنسان ذا أخلاق حسنة، وإما أن تكون سيئة فيكون الإنسان ذا أخلاق سيئة.

وتعتبر الأخلاق معياراً للسلوك الإنساني الذي يضبط ويحكم ويوجه، وبالقدر الذي يلتزم فيه الإنسان أو المجتمع بضوابط الأخلاق تستقيم حياته، وهي في الشرع مرتبطة بما أقره الإسلام وارتضاه للإنسان، وبما وجهه إليه الدين بما يصب في مصلحة الإنسان الدنيوية والأخروية.

ولكن بعض المفاهيم في الأخلاق تغدو أحياناً مسألة غير ثابتة، فهي تتغير بتغير الزمن وتوافد الأفكار، وقد تظل بعض المفاهيم غير واضحة بسبب ابتعاد الإنسان عن التواصل الحقيقي مع القرآن والسنة، وعن فهمه الحقيقي للدين، فعالمنا التي يجمع داخله كل أنواع التناقضات الفكريّة والقيمية،  والذي ينفتح لا إرادياً وبسرعة هائلة على ما ينتجه العالم ككل من أفكار، يحاول أن يتشبث بما يعهده، معتقداً أن هذا الحيّز هو حيز الأمان، فالأفكار التي تنشأ عليها الأفراد والجماعات، والتي لا تتعرض لغربلة أو تصفية، تستوطن مكانها ولا تبرح، وتصبح وكأنها الدستور الأوحد الذي لا يمكن مخالفته بأي شكل.

ويبقى موضوع الحجاب له الأولوية وتبقى فيه الإشكالية بين أخذ ورد، فهو في عرف كثيرين رمز للعفة والأخلاق، مقترن بها لا ينفك عنها، وبالتالي فكثير من المسلمات المحجبات وكثير من المسلمين يعتقدون أن كل محجبة عفيفة ولابد أن تكون خلوقة وصاحبة فضيلة، فقط لأنها ترتدي الحجاب، وعلى العكس من ذلك فبعض المسلمات اللواتي لا يلتزمن بالحجاب، قد يعتقدن أن كل محجبة تتخذ من حجابها ستراً لتغطي به على مشكلاتها الأخلاقية، وبأنها تدعي الفضيلة مجرّد ادعاء، وتتباهى بمظهرها على أنه رمز للإيمان والتقوى، وليس في هذا عدلٌ ولا إنصاف، بل حكم خارجي تابع لما نشأ عليه كل طرف، وما ألفه كل اتجاه.

إن أحكمنا العقل وتأملنا قليلاً سنكتشف أنه لا معنى لكل ما يروج له كل من الفريقين ضد الآخر، فالحجاب ليس وساما للأخلاق تضعه المحجبة لتنسبه لنفسها دوناً عن سواها، ومن ناحية أخرى فإن نزعه أو الامتناع عن ارتدائه ليس دلالة التزام مؤكد بأن الطهارة والأخلاق في الباطن لها، وللبقية رياء وسُمعة، الأمر مختلف حقاً!

الظاهر والجوهر
لا يمكن بحال من الأحوال أن يقدم أحدنا لآخر أوسمة طهر أو أن ينزعها عنه ما دمنا نصدّق أن الجوهر للإيمان في القلب، ولأنه في القلب فلا يمكن أن يطّلع عليه إلا الله، ولذلك فالتقييم على أساس الجوهر فحسب لا معنى له ولا قيمة، تماماً كما أن التقييم باعتبار الشكل فقط لا معنى له ولا قيمة، فكيف بالإمكان معرفة الصواب؟ وما المعنى الذي يجب أن ندركه في تشريع الحجاب؟

وتُجمع كل شعوب الأرض على أسس أخلاقية عامة، تتفق عليها، وتتوافق، كالرحمة والعدل ومساعدة الضعفاء وحماية الإنسان من أذى الإنسان، وحين نبحث في الأخلاق وارتباطاتها بالبشر علينا أن ننحي الزيّ أو الشكل أو اللون، لنجد هالة من الارتباطات الوثيقة التي تجمع شعوب الأرض على أخلاق وقيم متقاربة، تصب في حرية وكرامة الإنسان، وفي حياة المسلم ترتبط الأخلاق بالإيمان، الإيمان الذي يجمع طهارة الظاهر والباطن، ويربط القول بالعمل، والفكر بالسلوك، وبالتالي فالمسلمة التي ترتدي الحجاب إيماناً ويقيناً بأهميته، وينعكس حجابها على سلوكها وأخلاقها وأفعالها، فهي تعزز سمة أخلاقية مميزة في مجتمعها.

الحجاب بكل تأكيد لا يساعد المرأة نفسها في صون نفسها وحسب بل هو أداة حصانة للمجتمع ككل، يمنع أعين الغرباء من الاقتراب، وغرائزهم من التعدّي، فلم تُخلق المرأة لتكون يوماً أداة للترفيه عن الرجال، بل هي إنسان يحمل كل صفات الكرامة والإنسانية وإعمار الأرض، وفيها كل صفات الحياة طالما التزمت بما يحييها.

قال تعالى في سورة الأنفال: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}.

وقال تعالى واضعاً أسساً اجتماعية تربوية فريدة من نوعها في سورة النور: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

المجتمع أولا
لقد وضع الإسلام ليس للمرأة فقط بل للمجتمع ككل قواعد وضوابط لازمة لأجل أن يسير على إيقاع منضبط، فالالتزام بها يؤمن له الحماية والوقاية والأمن، والتعدي سينتج سلسلة من المشكلات والأزمات التي تسيء للمخالف وتجعله عرضة أكثر للأذى، كما تأخذ في في دوامتها كل من ينساق بلا وعي خلف ضخ الأفكار المشوهة والتشويش الذي لا يتوقف عن الانتشار كلما ابتعد المسلم عن مقاصد دينه وشريعة ربه.

لا يمكن للحجاب أن يكون معركة المرأة وحدها من أجل رفعة الأخلاق في المجتمع وسموها فيه، فللرجل دور مهم في ذلك، وهو العنصر المشارك بفاعلية في تعزيز الفضائل أو هدمها، وهو المطلوب منه غض البصر وحفظ الفرج، والمساهمة الحقيقية الفاعلة في اتباع ما أراده الله من خير للإنسان ذكراً كان أو أنثى.

الأخلاق لا تقترن بزيّ من الأزياء لكن الحجاب يعززها ويسهم في ترسيخها.

لابد أن نفرِّق هنا بين أهمية الحجاب كوسيلة مهمة لبناء مجتمع آمن سوي، وبين من يعبث بهذه الوسيلة، ويسيء إليها عندما يستخدمها واجهة تغطي مشكلاته الأخلاقية، وبين من يستهتر بها وينفي أهميتها وضرورتها.

لابد أن ندرك أن الإسلام لم يأتِ بشيء إلا وفيه مصلحة الفرد والمجتمع على حد سواء، وحياة عزيزة مصانة كريمة، في ظل تشريع يحترم الإنسانية ويكرّمها. لنا أن نبحث ونتخيل ونقارن كل الافتراضات الممكنة، سنجد الاستقرار والطمأنينة الحقة للنفوس في الضبط والالتزام الفاعل للشخصية المسلمة.

فإذا شعرت كل مسلمة أنها تُسهم بحجابها الذي ترتديه وتؤمن بفضله وأهميته في حضارة مجتمعها ونهوضه، ستختلف النظرة السطحية، وسيتجاوز كونه مجرد زي أو قطعة قماش إلى رمز فاعل ومؤثر ومساهم في التربية العامة والبناء، ومن أجل خير المجتمع يخاطبه الله بما يرفعه، ويرتقي أولئك الذين يستجيبون، فيسمعون ويطيعون.

التعليقات

تعليقات