الإلحاد ووجود الله

أحمد محمد حسن وأحمد دعدوش


بعد تحققنا من إمكانية المعرفة، وبعد بحثنا في مصادرها التي نشأ عن الاختلاف فيها ظهور عدة تيارات فكرية، سيبدأ مسيرنا في سبيل الحقيقة من أولى الحقائق الوجودية التي تشغل عقل الإنسان، وهي وجود الإله الخالق للموجودات والمدبر لشؤونها، فنستعرض أولا الفكرة المضادة المنكرة لوجوده (الإلحاد)، ثم نناقش أدلتها للتحقق من قدرتها على الإقناع، وسيكون دليلنا في هذا المسير مزيج من العقل والحس (التجربة).

 

الإلحاد
يُقصد بالإلحاد في العصر الحديث إنكار وجود إله خالق، وهذا المعنى يختلف مع الاستخدام القديم في اللغة العربية للمصطلح، حيث كانوا يُطلقونه على المذاهب الفكرية التي يميل أصحابها عن منهج الإسلام، لأن الإلحاد في اللغة هو الميل، أما إنكار الخالق فكان يسمى “إنكار الصانع”، وهو أمر نادر للغاية في التراث العربي.

ديموقريطس

بل كان إنكار الصانع نادرا في التاريخ البشري كله قبل العصر الحديث، ولعل أول من قال به من الفلاسفة هو اليوناني ديموقريطس في القرن الخامس قبل الميلاد، حيث رأى أن الكون مادي بحت، ثم أنكر أبيقور في القرن الرابع قبل الميلاد وجود إله لاعتقاده بأن ذلك يتناقض مع وجود الشر في العالم، وذلك حسب ما نقله عنه الفيلسوف ديفيد هيوم في القرن الثامن عشر (ليس هناك مصدر مؤكد آخر لمقولة أبيقور). ولم يشتهر عن الفلاسفة الآخرين إنكار الخالق بالرغم من التفاوت الكبير في آرائهم بشتى القضايا الوجودية.

في القرن السابع الميلادي، ذكر القرآن فئة من الناس أنكروا البعث بعد الموت، فنقل عنهم: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون} [الجاثية: ٢٤]، فأطلق المفسرون على هذه الفئة اسم الدهريين، وظن البعض أنهم يقابلون ملاحدة العصر الحديث، لكن الآية لا تذكر شيئا عن إنكارهم للصانع.

ويرجح باحثون أن كل ما قيل عن إلحاد بعض الفلاسفة في التاريخ الإسلامي ليس دقيقا، ومن أشهر هؤلاء ابن المقفع والكندي والفارابي وابن سينا وأبو العلاء المعري وابن الراوندي، لكن التحقيق يؤكد أنهم كانوا يؤمنون بوجود إله بطريقة أو بأخرى على اختلاف عقائدهم، وقد كان أقصى ما وصل إليه بعضهم هو إنكار رسالات الأنبياء والبعث، وليس إنكار الخالق.

نيوتن

لذا قال ابن رشد في كتابه “الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة” إن العرب كلها تعترف بوجود الباري، كما قال الشهرستاني في موسوعة الملل والنِحل إن شبهات العرب مقصورة على شبهتي إنكار البعث وبعثة الرسول، وقال أيضا “أما تعطيل الصانع العالم القادر الحكيم فلست أراها مقالة لأحد”.

يقول المؤرخ الفرنسي لوسيان فيفر في كتابه “مشكلة عدم الاعتقاد أو اللادينية في القرن السادس عشر: عقيدة رابليه” إن الفيلسوف رابليه لم يكن كذلك ملحدا كما يعتقد الكثيرون اليوم، فمع أنه كان شديد السخرية من الدين ورجال الكهنوت إلا أنه لم يجرؤ على إنكار الإله، لأن الأدوات الفكرية المتاحة حتى القرن السادس عشر لم تكن تسمح بوجود تيار فلسفي إلحادي، كما لم يكن لدى الفلاسفة الدعم العلمي الفيزيائي الذي يسمح لهم بتشكيل رؤية إلحادية مادية للكون.

لكن هذا الإجماع على وجود الإله بدأ بالاهتزاز على يد رواد “الثورة العلمية” المقترنة بثورات سياسية واقتصادية، مثل كوبرنيكوس تل الصلبان في ليتوانيا بأوروبا الشرقية يحتوي على مئات آلاف الصلبان، فمع أنهم كانوا مؤمنين بالله إلا أنهم مهدوا الطريق للشك بوجوده بتقديم رؤية مادية للكون، حيث شاع الاعتقاد آنذاك بأن اكتشاف القوانين المادية التي تتحرك وفقها الأشياء والأجرام يعني عدم الحاجة لوجود خالق.

بيير لابلاس

ومع حلول نهاية القرن الثامن عشر، أهدى عالِم الرياضيات الفرنسي بيير لابلاس نسخة من كتابه “حركة الأجرام السماوية” إلى الإمبراطور نابليون بونابرت، فسأله الأخير عن سبب إغفال ذكر الإله في كتابه الرياضي، فأجابه “سيدي، لست بحاجة لهذه الفرضية”. ويرى العلماء الملحدون اليوم أن هذا الموقف كان مؤشرا على بداية ظهور الإلحاد المدعوم بالعلم، والحقيقة أن نظرية لابلاس الرياضية لم تكن أصلا تستلزم البحث في وجود إله، فهو لم يستغنِ عن اللاهوت كما يقول أوستن فارر، بل تعلم كغيره من العلماء ألا يتدخلوا في الدين وأن يلتزموا حدود تخصصهم. فلو أن نابليون سأل لابلاس من البداية: لماذا يوجد كون من أجرام مادية تتحرك وفقا لقوى الجاذبية التي تعبر عنها معادلاتك؟ فعندئذ سيكون من الصعب أن يجيب بنفس جوابه السابق، لكن الملحدين المعاصرين اعتادوا على اعتبار ذاك الجواب كافيا عندما قرروا توسيع دائرة العلم ليشمل كل شيء.

وبالرغم من شيوع الأفكار العلمانية والتحلل من الأديان كلها في تلك الفترة، ولا سيما في ظل الدعم الذي قدمته الجمعيات السرية للأنظمة السياسية الثورية وللجمعيات العلمية الحديثة، إلا أن الإلحاد لم ينتشر بصورة ملحوظة إلا بعد ظهور نظرية تشارلز داروين في النشوء والارتقاء بمنتصف القرن التاسع عشر، حيث أصبح من الممكن أخيرا تقديم تفسير “علمي” لوجود الكائنات الحية ذات الصنع المتقن -وعلى رأسها الإنسان نفسه- دون حاجة للتصديق بوجود خالق لها، فأنشأ بعض الفلاسفة تيارات جديدة على أساس إلحادي، مثل أوغست كونت وكارل ماركس وفريدريك نيتشه وسيغموند فرويد ولودفيغ فيورباخ.

 

بعض أدلة وجود الله
سنلخص في هذه الفقرات أهم الأدلة العقلية والحسية التي تؤكد ضرورة وجود إله، ونحن نرى أن مناقشة تفاصيل التساؤلات التي قد يطرحها المشكك قد تستغرق مئات الصفحات وتتطلب من القارئ غير المتخصص جهدا مضاعفا، والأولى أن نبين الأدلة التي تقبلها كل العقول لبداهتها، فلو كان وجود الإله غامضا لكان الإيمان به من شأن النخبة فقط، ثم نستشهد بما أثبته العلم التجريبي من ضرورة الخلق والتدبير.

الدليل الأول: الصنع الغائي
ذكرنا في مقال مصادر المعرفة أن في العقل البشري مبادئ أولية “بدهيات” لا تحتاج إلى إثبات، ومنها دلالة الصنع الغائي على وجود صانع له غاية، فعندما يرى الإنسان قلماً صغيراً بعلامات دقة واضحة فإن عقله يقتنع مباشرة بأن هناك صانعا صنعه ليؤدي غاية ما، فالقلم المُتقن ليس ككومة تراب أو حجارة عشوائية في الصحراء، والأمر ذاته ينطبق على الأشياء الأكثر تعقيدا كالحاسوب والهاتف والسيارة، فكلها تحمل علامات صنع لتؤدي غايات معينة.

والعقل لا يستطيع أن ينكر هذا المبدأ البدهي، وأقصى ما يمكنه أن يفعل هو أن محاولة التشكيك في استمرار العلاقة الدائمة بين التصميم والمُصمم، فيفترض احتمال انفكاك هذه العلاقة في ظرف لا نعلمه بعد، أو يقول إن أحكامنا هذه مبنية على أمثلة نعرفها لأنها تتعلق بأشياء صنعها الإنسان، فيرفض سحب دلالة الصنع الغائي على سائر الأشياء الأخرى لتدل على وجود خالق.

لكن محاولة إنكار اطّراد العلاقة بين التصميم والمُصمم أو المصنوع والصانع هو إنكار للعقل نفسه، فهو كقول قائل إن جمع واحد مع واحد يساوي اثنين لا يصح إلا فيما نعرفه فقط وإنه ليس بالضرورة أن يكون هكذا دوماً في ظروف أخرى لا نعرفها، وهذا نوع من السفسطة، فالبديهيات العقلية لا تتجزأ ولا تنفصل.

في عام 1997 أنتجت هوليود فيلما بعنوان “اتصال” contact، مقتبسا عن رواية بنفس الاسم للعالِم الفلكي كارل ساغان، حيث يحكي الفيلم قصة عالِمة فلك تدعى “إيلي” وهي تدرس مع زملائها في مركز أبحاث “سيتي” إشارات واردة من أعماق الفضاء، ويتبين أنها تتمتع بصفتي التفرد والتعقيد، ما يؤكد استحالة كونها قد نشأت بالصدفة، لذا يصيح أعضاء الفريق “إنها ليست تشويشا كونيا، إنها تحمل نظاما”، ثم تكشف أحداث الفيلم عن ورود تلك الرسائل بالفعل من عوالم أخرى.
واللافت أن كلا من مؤلف القصة ساغان وبطلة الفيلم جودي فوستر ملحدان، فالفيلم يؤكد أن رسالة معقدة واحدة تكفي لإثبات وجود مرسل ذكي، لكن ساغان لا يستخدم نفس هذا المنطق عندما يرى أن تعقيد الحمض النووي لا يمكن أن ينشأ عن صدفة عشوائية!

يقول علي عزت بيجوفيتش في كتابه “الإسلام بين الشرق والغرب”: “إذا وجدنا في اكتشاف أثري حجرين موضوعين في نظام معين أو قُطّعا لغرض معين، فإننا جميعاً نستنتج بالتأكيد أن هذا من عمل إنسان ما في الزمان القديم. فإذا وجدنا بالقرب من الحجر جمجمة بشرية أكثر كمالاً وأكثر تعقيداً من الحجر بدرجة لا تقارن، فإن بعض العلماء المكتشفين لن يفكر في أنها من صنع كائن واع، بل ينظرون إلى هذه الجمجمة الكاملة أو إلى الهيكل الكامل الذي تتجلّى فيه قدرة صانعه كأنهما قد نشئا بذاتيهما أو بالصدفة”.

ومن الملاحظ أن الكثير من العلماء الملحدين المعاصرين يدعمون مشاريع عملاقة للبحث عن مؤشرات لوجود كائنات حية في كواكب أخرى، وذلك برصد الإشارات اللاسلكية والميكروية القادمة من أعماق الكون، أملا في أن تحمل رسائل مشفرة تختلف عن النبضات والموجات الكونية العادية، فلو كانوا يعتقدون فعلا بأن العوالم الأخرى لا يجب أن تنسحب عليها مبادئنا العقلية فلا ينبغي إذن أن يعتقدوا بأن ما قد يصل من تلك العوالم من علامات الذكاء هو مؤشر على أي شيء يخص تلك العوالم المجهولة.

حاول فيلسوف الشك والعدمية ديفيد هيوم [انظر مقال مصادر المعرفة] أن ينفي صحة دليل الغائية والتصميم معتبرا أنه من باب قياس الغائب على الشاهد، كأن نقول مثلا إذا كان للبيت مهندس فلا بد أن يكون للكون خالق، وهذا قياس للكون على البيت وقياس للإله على الناس. ويقول هيوم أيضا إننا لم نشاهد عالَما آخر لنقارنه بعالمنا كي نستنتج أن هذا العالم مخلوق بالضرورة.

لكن هيوم لم يلاحظ أن البيت والكون من جنس واحد، فكلاهما كيان مادي حادث في الزمان والمكان، وكلاهما يحتاج إلى طاقة، والاختلاف بينهما يقتصر على الصفات فقط وليس الجنس.

واللافت أن الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت كان قد سبق هيوم وأوضح أن “برهان التصميم” يعتمد على الحدس (نقصد هنا الحدس الفلسفي وليس الصوفي)، أي بالإدراك العقلي المباشر وليس بالاستنتاج والقياس، فديكارت يقول إن أولى الحقائق التي يدركها العقل هي وجود الذات (أنا أفكر إذن أنا موجود)، ثم يدرك مباشرة أن هناك خالقا موجودا بالضرورة وهو الذي أوجده، وهذا الإدراك ليس قياسا بل حدسا.

فإذا هبط أحدنا مثلا على سطح كوكب بعيد ووجد عليه جهازا معقدا وهو لا يعرف شيئا عن حقيقته وآلية عمله، فسيدرك فورا وبدون قياس ولا مقدمات أن هناك مصمما ما قام بتصميم هذا الجهاز.

  • العلة الفاعلة والعلة الغائية
    قد يقع الإنسان في الحيرة عندما يخلط بين العلتين الفاعلة والغائية، فالرؤية المادية للكون لا تتجاوز العلة الفاعلة (الكيفية) لتفسير ظواهر الكون، مثل نسبة حركة الكواكب إلى قوى الجاذبية والطرد والتنافر، وهي علل (أسباب) يعترف بها المؤمن ويدرسها ويتعامل معها وفقا لقوانينها، إلا أنه يرى في الوقت نفسه أن هناك علة غائية وراءها تعود إلى إرادة الإله وقدرته.

    ولا تتعارض العلتان بالضرورة، فعندما نقول إن شخصا حُكم عليه بالإعدام شنقا قد فارق الحياة بسبب الشنق؛ فنحن نتحدث هنا عن العلة الفاعلة (كيفية موته)، وسنكون على حق أيضا إذا قلنا إنه مات لأنه قتل شخصا بريئا (علة موته)، فيكون الحديث هنا عن العلة الغائية التي لأجلها تم لف حبل المشنقة حول رقبته.

 

الدليل الثاني: السببية وعدم التسلسل
تعد السببية من البدهيات العقلية الأولية أيضا، ولتوضيحه نضرب مثالا بجنديّ يحمل سلاحه ويستعد لإطلاق رصاصة عند أمر قائده، ولكن قائده ينتظر أمراً من قائده، وقائده ينتظر أيضا أمر قائده… وهكذا، فإذا افترضنا ان هذه السلسلة من القادة مستمرة إلى ما لا نهاية وأنه لا يوجد قائد أخير تصدر كل الأوامر منه دون أن ينتظر أمرا من أحد؛ فهل ستنطلق رصاصة الجندي؟ والإجابة هي حتما لا.

لذا يجزم العقل البشري باستحالة أن يكون الكون وما فيه من موجودات معقدة قد نشأت عن سلاسل مستمرة من الظهور والفناء للذرات ومكوناتها من غير بداية محددة، فلكل سبب مسبِّب ولكل موجود موجِد، ولا بد من وجود خالق أول غني عن كل ما سواه.

من أجل ذلك آمن الفلاسفة على مر العصور بالإله، على اختلاف تصوراتهم له، وعبّر عنه الفلاسفة في التراث الإسلامي بقولهم إنه “واجب الوجود”، وذلك لأن كل الموجودات في هذه القسمة العقلية إما ممكنة الوجود (أي أن وجودها وعدمها يستويان في الاحتمال وهي كل الموجودات في الكون)، وإما مستحيلة الوجود (وهي الأشياء المتناقضة في ذاتها كأن نتخيل وجود مربع بثلاث زوايا في مستوى واحد)، وإما واجبة الوجود (أي التي لا بد من وجودها لأنها سبب وجود الممكنات، وهو الخالق الأزلي).

وقد يتساءل المشكك: لماذا نستثني الإله من التسلسل؟ فإذا كان لا بد لكل موجود من موجِد فلماذا لا يكون للإله خالق أوجده؟ والجواب هو أن إنكار السببية سيوقعنا في مشكلة أكبر، فإذا اعتبرنا الإله محتاجا لموجد آخر فقد أصبح بذاته مشابها للموجودات الأخرى، وسنستمر في التسلسل للبحث عن أصل أول، وبما أن كل الموجودات المادية التي يألفها الحس والعقل لا يمكن لها أن توجد بذاتها فلا بد عقليا من الإيمان بوجود أصل غير مادي وغير محتاج لأحد سواه.

وإذا لم نصل إلى هذه النتيجة، فإما أن نمنح الكون نفسه صفة الألوهية، فيكون أزليا بذاته، وهذا مستحيل عقليا وحسيا، وإما أن يكون الكون هو الذي أوجد نفسه من عدم، وهذا غير معقول أيضا.

إذن فالذي تستثقله النفس هو صعوبة تصور الإله المستغني بذاته، وذلك لأنه مختلف عن كل ما نتصوره ونعرفه، لكن هذا لا يعني استبعاد وجوده، بل وجوده ضروري لكن تصوره مستحيل.

لذا أمر الأنبياء أتباعهم بعدم التفكر في ماهية (حقيقة) هذا الإله، حيث قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم “يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا وكذا؟ حتى يقول له من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته” [رواه البخاري ومسلم]، فالنبي أوضح أن العقل البشري عندما يصل إلى هذا النوع من التساؤل فإنه قد بلغ حده، ولم تبق له سوى وساوس الشيطان التي تلقي في قلبه الشك، لأن قياس الغائب على الشاهد ليس من المنطق في شيء، ولا يصح للعقل الذي انتهى إلى ضرورة وجود الإله أن يقيس هذا الإله (واجب الوجود) على مخلوقاته (ممكنة الوجود).

لايبنتز

يقول الفيلسوف الألماني غوتفريد لايبنتز “وإذا كانت عقولكم لا تتصور هذا الإله فلا يلزم عن ذلك عدم وجوده، فكثير من الحقائق لم تتمكنوا من تصورها وهي موجودة عقلا”، لذا فإن قياس الإله على الأشياء هو قياس تمثيل ومغالطة، فيكفي للعقل أن يستدل على وجود الإله بآثاره.

والعقل يستبعد تصور حقائق أخرى كثيرة مع أنها موجودة في عالم الحس وبمتناول اليد، ونذكر منها هذه الأمثلة:

1- قصة الحكيم الذي اخترع الشطرنج: حيث طلب من الملك الذي أعجب باللعبة أن يحصل على مكافأة بدا للملك أنها تافهة، فقال إنه يطلب وضع حبة قمح واحدة في أول خانة من رقعة الشطرنج، وحبتين في الثانية، وأربع حبات في الثالثة، ثم ثماني حبات، وهكذا بمضاعفة الحبات في كل خانة تالية وصولا إلى الخانة الرابعة والستين، فضحك الملك وأمر الحاشية بتنفيذ الطلب، لكن حساب هذه المتتالية خرج بنتيجة مفادها أن خزائن المملكة كلها لا تكفي.

2- أحجية الورقة المقطعة: تصور وجود ورقة رقيقة سمكها 1/100 ملم، واقطعها إلى نصفين، ثم اقطع النصفين إلى أربعة، وتابع القطع مع وضع الأنصاف فوق بعضها، وستجد أن سُمك ما تم تجميعه بعد 48 مرة فقط سيصل إلى القمر.

3- تباطؤ الزمن: كان جميع الفيزيائيين طوال التاريخ يتصورون أن الزمن ثابت، ثم أكد أينشتاين في القرن العشرين أنه نسبي، وأن سرعة الضوء هي الثابت، فالزمن يتمدد ويتقلص حسب سرعة الجسم المتحرك، وهو أمر يصعب على العقل حتى الآن تصوره مع أنه مثبت رياضيا وعمليا.

 

الدليل الثالث: الفطرة
تنكر المذاهب الحسية والمادية وجود الأفكار الفطرية [انظر مقال مصادر المعرفة]، ويستند إليها الملحدون لتبرير فراغ العقل البشري من أي معلومات أولية قد تدل وجود خالق أنشأها، لكن بحثا أجراه البروفسور جستِن باريت Justin Barrett في جامعة أوكسفورد أثبت العكس، حيث طبق دراسته على أطفال في أعمار مبكرة طوال سنوات ليخرج بنتيجة تؤكد أن الأطفال لديهم القابلية المُسبقة للإيمان بـ”كائن متفوق”، وذلك لأنهم يعتبرون أن كل ما في هذا العالم مخلوق لسبب، وعبر عن ذلك بقوله “إننا إذا وضعنا مجموعة من الأطفال على جزيرة لينشأوا بمفردهم، فأعتقد أنهم سيؤمنون بالله”.

وضع باريت نتائج أبحاثه في كتاب نشر عام 2012 بعنوان “مؤمنون بالفطرة”، كما نشرت عدة وسائل إعلام تقارير عن أبحاثه، ومنها صحيفة تليغراف البريطانية في نوفمبر 2008، بينما قال لإذاعة بي.بي.سي في حوار إذاعي “إن غالبية الأدلة العلمية في السنوات العشر الماضية أظهرت أن الكثير من الأشياء تدخل في البنية الطبيعية لعقول الأطفال بشكل مختلف عما ظننا مسبقاً، من ضمنها القابلية لرؤية العالم الطبيعي على أنه ذو هدف ومصمم بواسطة كائن ذكي مُسبب لذلك الهدف”.

وقد انضم إلى البروفسور باريت باحث آخر، هو البروفسور جوناثان لانمان Jonathan A. Lanman من جامعة أكسفورد، الذي وضع بحثا بعنوان “علم الإيمان الديني” The Science of Religious Beliefs، وتساءل فيه “إذن من أين جاءت هذه الاعتقادات الفطرية بوجود الخالق؟ فنحن لا نستطيع القول بأنهم (الأطفال) تعلموها من المجتمع وذلك لأنها اعتقادات فطرية، وكذلك الدراسات أكدت أنها لا تعتمد على ضغوطات المجتمع وهي مشتركة بين مختلف الثقافات”.

وبالطريقة نفسها، تقول الباحثة في علم نفس النمو والأديان بجامعة أكسفورد أوليفيرا بيتروفيتش Olivera Petrovich في كتابها “نظرية الطفل عن العالم” Child’s Theory of World إن “الإيمان بالله ينمو طبيعياً، أما الإلحاد فهو بالتأكيد موقف مكتسب”.

وهو ما يؤكد المقولة الشهيرة المنسوبة إلى المؤرخ الإغريقي بلوتارخ، عندما قال “لو سافرنا خلال العالم، فمن الممكن أن نجد مدناً بلا أسوار، بلا حروف، بلا ملوك، بلا ثروات، بلا عملات، بلا مدارس ومسارح، ولكن أن نجد مدينة بلا معبد، وبلا ممارسات وعبادة وصلاة ونحوه، فلم ير أحد ذلك قط”.

 

الدليل الرابع: وجود الشر
بقليل من التأمل يمكننا أن نكتشف أن وجود الشر يؤكد وجود “مصدر مفارق للعالم”، بدلا من أن يكون دليلا على عدم وجوده كما يحاجج الملحدون، فالاعتقاد بأن وجود الشر لا يتناسب مع وجود إله رحيم يحب الخير هو ميل نفسي وليس دليلا عقليا، فلا يتناقض في العقل وجود هذا الإله مع سماحه بوجود الشر في العالم الذي خلقه لغرض الامتحان.

فوجود الشر يؤكد بالفعل وجود إله مفارق لهذا العالم المادي، لأنه اعتراف بوجود إله يمثل الخير بالفطرة، وإلا فمن أين أتى التمييز البشري بين الخير والشر إن كان الأصل في الوجود المادي هو عدم الترجيح في الأفعال بين خير وشر؟ فالإله المفارق للموجودات هو الذي أعطى معنى الخير، وهو الذي منح الإنسان القدرة على تمييزه عن الشر، بينما لا يستطيع أي باحث أن يجزم بأن الخير (بمعناه العام) هو الأصل الوحيد في نفوس الإنسان والحيوانات، خصوصا وأن من يؤمن بنظرية التطور يرى أن استمرار الحياة قائم أصلا على الصراع وأن البقاء للأقوى، فالأقوى هو الأقدر على قتل الضعيف ونهب حقوقه وليس العكس.

وقد اختلف الفلاسفة وعلماء الكلام في التاريخ الإسلامي حول منشأ الحُسن والقبح، فرأى المعتزلة والشيعة والماتريدية أن العقل يدركهما بذاته، بينما رأى الأشعرية والظاهرية أن تحديدهما يعود إلى الوحي فقط، وجاء من يجمع بين الرأيين ويرى أن العقل قد يستقل بمعرفة حُسن وقبح بعض الأفعال دون بعض، كالعدل والظلم، والصدق والكذب.

جوليان باجيني
(Vera de Kok)

وفي أحد التسجيلات المصورة، يوجه الفيلسوف البريطاني الملحد جوليان باجيني سؤالا للمؤمن الذي يلتزم بالأخلاق: هل يأمرك الله بفعل الخير لأنه خير بذاته أم أن الفعل أصبح خيرا لأن الله أمرك بفعله؟ ثم يقول إن “المؤمن لو اختار الخيار الثاني فستكون حجته ركيكة، لذا فإن النقطة الأساسية هي أنه حتى الإله يختار فعل الخير لأنه خير، إذن فهو خير بذاته، ومن ثم فيمكن للملحد أيضا أن يكتشفه بنفسه دون إله”.

وقد يبدو للبعض أن باجيني يشير إلى الخلاف السابق نفسه، لكن جوهر ذاك الخلاف لم يمتد إلى مسألة الوجود الإلهي، فالطرفان يؤمنان بإله خالق للإنسان والفطرة والعقل والأفعال معا، والخلاف بينهما محصور في مدى قدرة العقل البشري على تصنيف الأفعال دون مصدر موجه، أما المعضلة التي تهرب منها باجيني بمحاولة إلقائها على المؤمنين فهي أن الإلحاد يبقيه حبيس المادة أصلاً، والمادة مهما ارتقت في تطورها المفترض فهي محكومة بالغرائز، وليس هناك ما يبرر اكتشافها الذاتي لمفاهيم نبيلة لا تحقق لها أي مصلحة، مثل التضحية والإيثار، لذا لم يجد الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (توفي عام 1804م) بداً من الإيمان بوجود إله مفارق لحل معضلة الأخلاق.

ولا يمكن للملحد أن يثبت عمليا استقلال الأخلاق عن الأديان والميتافيزيقيا، فليس هناك مجتمع ملحد ومادي مئة بالمئة، وليس هناك أيضا أي فرد طبيعي في هذا العالم يعيش في عزلة تامة عن كل المؤثرات الدينية في مجتمعه. لذا يقول المفكر والرئيس البوسني الراحل علي عزت بيغوفيتش “يوجد ملحدون على خلق، ولكن لا يوجد إلحاد أخلاقي” [الإسلام بين الشرق والغرب، ص175].

وقد أقر العديد من مفكري الإلحاد المعاصرين بمأزق البحث عن أساس أخلاقي دون مرجعية غيبية (ميتافيزيقية)، ومنهم الفيلسوف الأميركي جيمس ريتشلز الذي اعترف في كتابه “مصنوعون من الحيوانات: الآثار الأخلاقية للداروينية” أن السؤال عن بديل للرؤية الأخلاقية الدينية من منظور دارويني إلحادي هو سؤال صعب، ثم أخذ يبحث في الكتاب عن تأصيل فلسفي للأخلاق من منطلق ذاتي، ليثبت بذلك من غير قصد أن الأخلاق المجردة عن المصدر المفارق (الموضوعي) ستؤدي في النهاية حتماً إلى نسبية الأخلاق، ومن ثم إلى انهيار أي مرجعية تثبتها.

أما الفلسفة البراغماتية، التي انبثقت عن الفكر المادي في مطلع القرن العشرين، فلم تستطع تقديم حل مقنع للمعضلة مع تغييب العنصر الإلهي، فاضطرت للاكتفاء بربط الأخلاق بالمصلحة، وزعمت أن ما كان نافعا للإنسان فهو خير.

جون لوك

ولو افترضنا أن البشرية كلها كانت لا تؤمن بإله يراقبها في كل لحظة وسيحاسبها عاجلا أو آجلا، فهل كانت الكائنات البشرية “المتطورة” ستهذب غرائزها بالفعل دون حاجة لوازع ديني؟

يقول الفيلسوف الإنجليزي جون لوك “إذا كانت غاية الإنسان مقتصرة على هذا العالم، وإذا كنا نستمتع بالحياة في هذه الدنيا فحسب، فلن نجافي المنطق إذا بحثنا عن السعادة الشخصية ولو كان ذلك على حساب الآباء والأبناء”. وهذا القول يلخص تعارض الأخلاق مع المادية بكل أمانة، فمفهوم التضحية على سبيل المثال لا يمكن فهمه ولا تبريره بالمنطق المادي الإلحادي، بل هو ضرب من “الغباء” لكونه يتعارض مع المصلحة.

يحاجج البعض بأن بعض المجتمعات المعاصرة التي تزداد فيها نسبة الإلحاد تحتفظ في الوقت نفسه بقدر كبير من الالتزام الأخلاقي، ولا سيما عند مقارنتها بمجتمعات توصف بأنها متدينة، لكن هذه المقارنة لا تكتسب صفة علمية ولا تقدم برهانا سليما، فالسببية في القضايا الاجتماعية أكثر تعقيدا بكثير مما هي عليه في الظواهر الفيزيائية، وعلى الباحث أن يجرد جميع العوامل قبل أن يقارن بين أخلاقيات المجتمعين، وإلا فيمكن الافتراض أن الالتزام الأخلاقي في مجتمع إلحادي (على فرض وجوده) قد ينبع من الانضباط الذي ينشأ عليه الفرد، وأن ارتفاع الدخل وانتشار كاميرات المراقبة وقسوة القانون هي كلها عوامل تحول دون ميل الفرد الملحد في سويسرا مثلا إلى السرقة، وذلك على العكس من فرد ينشأ على الفقر والجهل في بلد يسوده الفساد الإداري ويوصف خطأً بأنه مجتمع متدين.

لكن المقارنة قد تصبح أكثر إقناعا عندما يُقارَن سلوك وانضباط الشخص نفسه قبل تدينه وبعده، كما يحدث مع المجرمين الذين يعتنقون ديناً ما في السجون.

وسيصبح أكثر وضوحا أيضا عندما نستدل ببعض البرامج الترفيهية التي ظهرت مؤخرا على الإنترنت، والتي تم تصويرها بكاميرات خفية لاكتشاف مواقف وردود أفعال أشخاص عشوائيين، فالكثير من هذه التجارب تكشف أن الفرد الغربي الذي نشأ في مجتمع منضبط بالقانون قد يتساهل في ارتكاب سرقة طفيفة عندما يكون بعيدا عن عيون الرقابة والقانون، وهذا السلوك يمكننا أن نفهمه طالما أن الفرد لا يؤمن بإله يراقبه وسيحاسبه على كل كبيرة وصغيرة، فالأصل في حالة الإلحاد والبراغماتية وبقاء الأقوى أن يفكر الإنسان بمصلحته العاجلة قبل مصلحة الآخرين، وأن ينتشي بقدرته على السرقة بدلا من الخجل.

من جهة أخرى، يقول الكاتب الإيرلندي سي.إس لويس، الذي ألحد في فترة من حياته بسبب تشاؤمه من الشر والحروب وموت أقرب الناس إليه بالأمراض، “كانت حُجتي ضد الله أن الكون يبدو في غاية القسوة والظلم. ولكن كيف حصلتُ على مفهوم الظلم والعدل هذا؟ فالإنسان لا يصف الخط بأنه منحني إلا إذا كانت لديه فكرة عن الخط المستقيم، فبماذا كنت أقارن هذا العالم عندما وصفته بأنه ظالم؟ إذا كان العرض كله سيئاً ولا معنى فيه من الألف إلى الياء إن جاز التعبير، لماذا أنا -الذي من المفترض أن أكون جزءًا من هذا العرض- أجد نفسي في رد فعل عنيف معارض لذلك؟ الإنسان يشعر بالبلل عندما يقع في الماء، لأن الإنسان ليس حيواناً مائياً، ولكن السمك لا يشعر بالبلل بالطبع” [Mere Christianity, p. 38-39].

إن محاولة الاحتجاج بالشر على عدم وجود الخالق تحوي في طياتها عوامل الهدم الذاتي والتناقض المنطقي، إذ يحق لأي مؤمن في المقابل أن يقول بالمثل: ووجود الخير في العالم يدل على وجود الله، وإذا افترضنا أن الخالق إله شرير فسنجد أن مشكلة وجود الشر لا علاقة لها في الأصل بوجود خالق أو عدمه، فنحن لا نقول إنه لا توجد حكومة إذا كانت سياستها شريرة، ولا نقول إنه لا وجود لصانع القنبلة النووية لأنها سلاح شرير، فالصواب أن هناك علامات خاصة بالصنع والتصميم (أو الخلق والتقدير) مفصولة عن قيمتي الخير والشر.

لذا يمكننا القول إن هذه “المعضلة” ذات منشأ نفسي لا عقلي، وسنناقش في نهاية مسير بحثنا عن الحقيقة الجانبَ النفسي لوجود الشر، وذلك في مقال “الأسئلة الوجودية الكبرى“.

 

الدليل الخامس: دقة الضبط الكوني
استند الإلحاد المعاصر في بدايته على فرضية تقول إن الكون (المادة والطاقة) أزلي لا بداية له، ثم صيغت الفرضية على شكل نظرية سميت بالكون المستقر، وكان من أشهر المدافعين عنها عالم الرياضيات والفلك البريطاني فريد هويل.

لكن العلم أثبت استحالة أزلية الكون؛ إذ لو كان كذلك لتبددت طاقته وتوزعت عشوائيا بدلا من التجمع منذ زمن بعيد، ولتوقف بذلك كل نشاط في الوجود، وهذه الحالة التي تسعى للاستقرار تسمى بالإنتروبي حسب القانون الثاني للديناميكية الحرارية.

وفي ستينيات القرن الماضي بدأت نظرية الانفجار العظيم Big Bang بالتغلب على نظرية الكون المستقر، وهي تنص على أن الكون الذي يتسع باستمرار كان قد نشأ من نقطة أولية، وأن النشوء والاتساع الكوني يتوقفان على قوانين وثوابت فيزيائية في غاية الدقة، ما دعا العلماء لإطلاق مصطلح الكون المضبوط بعناية Fine-tuning of universe، وخصوصاً مع دقة الثابت الكوني Cosmological constant لاتساع الكون، والتي بلغت 1 إلى “10 أس 122” (1 وأمامه 122 صفرا) وهو رقم لا يسمح بوجود الصدفة والعشوائية.

وفي محاولة لإنكار وجود القصد (الإلهي) وراء هذه الدقة، افترض الفيزيائيان ستيفن وينبرغ وستيفن هوكينغ أن هذا الكون الدقيق ليس سوى حالة نادرة من بين عدد هائل من الأكوان الأخرى العشوائية التي تسبح في الوجود. وقد حاول هوكينغ في كتابه “التصميم العظيم” The Grand Design حساب احتمال وجود هذا الكون من بين الأكوان العشوائية، فوجد أن الصدفة تتطلب وجود “10 أس 500” كون (أي 1 وأمامه 500 صفرا)، وهو افتراض لا يدعمه دليل أصلا.

كان الملحدون في القرن العشرين يستندون إلى ما يسمى بنظرية القردة، والتي تفترض أننا إذا وضعنا مجموعة قردة أمام لوحة مفاتيح للضرب عليها في زمن غير محدود فلا بد أنها ستنجح بالصدفة يوماً ما في كتابة قصيدة لشكسبير.

حاول عالم الأحياء الملحد ريتشارد دوكينز في كتابه “صانع الساعات الأعمى” (1986) اقتراح آلية لإنجاح التجربة، فكلما كتب قرد حرفا نقارنه مع الحرف الذي نتوقعه، فإن نجح احتفظنا به وإلا حذفناه وسمحنا للقرد بالمتابعة، والعجيب أن دوكينز لم ينتبه إلى أن “التطور الأعمى” الذي يتخيله ليس له هدف أصلا، فالمعلومات التي ينبغي للصدفة والعشوائية أن تنتجها يشترط دوكينز أنها موجودة أصلا في الكائن الحي الذي لم يتطور بعد، وهذا استدلال دائري [انظر المغالطات المنطقية].

وقد بيّن العالِم التطوري رونالد فيشر أن الطبيعة لا تحتفظ بالحرف الصحيح كما يتخيل دوكينز، فمعظم الطفرات النافعة تختفي عشوائيا أو بفعل الطفرات الضارة الأكثر عددا بكثير [العلم ووجود الله، ص 299].

دوكينز (David Shankbone)

ومع ذلك، حاول البعض أن يتحققوا من فرضية القردة عمليا، فوضع باحثون في “المجلس القومي البريطاني للفنون” ستة قرود في قفص مع كمبيوتر لمدة شهر، ولم يحصلوا على كلمة واحدة، مع أن أقصر الكلمات بالإنجليزية مكونة من حرف واحد وهو A، وهي تتطلب النقر على هذا الحرف مع النقر على زر المسافة قبله وبعده فقط. وعندما احتسب الرياضي جيرالد شرويدر في كتابه “علم الإله” Science of God نسبة احتمال الحصول على إحدى قصائد السوناتا لشكسبير والمكونة من 488 حرفا عبر الضرب العشوائي على لوحة مفاتيح مكونة من 26 حرفا، وجد أن هناك احتمالا وحيدا من بين “10 أس 690” من الاحتمالات الخاطئة، ولكي نتخيل ضخامة هذا العدد الهائل يمكننا أن نقارنه بعدد ذرات الكون كله التي تقدر بحوالي “10 أس 80” فقط.

وقد دفعت هذه الحسابات بالملحد الشهير “أنتوني فلو” إلى القول إن البرهان العقلي للإلحاد انهار تماماً، فآمن بوجود الله مؤكدا أن نشوء الحياة أكثر تعقيدا بكثير من الحصول على قصيدة قصيرة بالضرب العشوائي [أنتوني فلو، هناك إله، ص 75].

كما استنتج عالم الرياضيات وليام دمسكي أن “التعقيد المخصص” لا يمكن أن ينشأ بالصدفة، فالنقر على حرف A مخصص لكن دون تعقيد، ونقر جملة طويلة من الحروف العشوائية (كما فعلت القرود) هو أمر معقد لكنه غير مخصص، أما طباعة قصيدة كاملة لشكسبير فهو عمل معقد ومخصص معا.

وبالرغم من ضآلة الاحتمال، فإن المشكلة الأهم هي استحالة رصد تلك الأكوان المفترضة، فأي كون خارج كوننا سيكون خارج ما يسمى بأفق الجسيم the particle horizon، وهي مسافة كبيرة إلى درجة أن أي جسيم حامل للمعلومات لا يستطيع أن يقطعها ليصل إلى الباحث (الراصد) لأن عمر الكون نفسه أقصر من تلك المدة، وهذا يعني أن افتراض الأكوان الأخرى ليس سوى نظرية فلسفية لا علمية.

علاوة على ذلك، أثبت كل من أرفيند بورد وآلان غوث وألكساندر فيلينكن أن أي كون لا بد أن يتوسع طوال تاريخه، وأنه لا بد أن تكون له بداية وليس أزليا، وهذا يعني أنه حتى في حال صحة وجود أكوان أخرى غير هذا الكون، فكل واحد منها لا بد أن يكون قد بدأ من نقطة نشوء ما في الزمن الغابر.

ومع ذلك، يتمسك العلماء الملحدون بفرضية “الأكوان المتعددة” لأنها الملاذ الوحيد، حيث قال وينبرغ في لقاء مع زميله دوكينز “إذا اكتشفت أن هذا الكون المدهش معد فعلياً بعناية… أعتقد أنه ليس أمامك ساعتها إلا أحد احتمالين، إما خالق عظيم، وإما أكوان متعددة”.

لكن وجود تلك الأكوان -والتي يستحيل إثبات وجودها علميا- سيضع وينبرغ أمام بحث آخر حول نشأتها ومصدر قوانينها وثوابتها الفيزيائية، فإذا كان يعتقد أنه سيتخلص عندئذ من معضلة إعداد الكون بعناية fine tuning، فسيجد أكوانا أخرى معدة بعناية أيضا، وربما كانت أكثر إعجازا وتعقيدا، وسيضطر بذلك للبحث عن خالقها بدلا من الاستناد إلى الصدفة.

وبدوره، يقول الفيزيائي اللاديني ليونارد سوسكايند “إن الثابت الكوني من الرهبة بمكان بحيث أنه يصير بهذا المقدار الذي لا يسمح بتدمير النجوم والكواكب والذرات، لكن ما هذه القوة الغامضة والعجيبة التي استطاعت أن تحسب هذا الموقف المعقد للغاية؟ إن قوانين الفيزياء متوازنة على حافة سكين حاد للغاية، وإذا كان الأمر كذلك فإنه يطرح أسئلة كبيرة” [The Cosmic Landscape, p. 88].

يحاول البروفيسور لورنس كراوس في كتابه “كون من لاشيء” إثبات إمكانية انبثاق الكون المادي من العدم من تلقاء نفسه، إلا أن المأخذ الجوهري على نظريته هو أنه حاول إقناع قرائه بأن “اللاشيء” هو “العدم” نفسه، وقد يكون هذا الخلط مقبولا في اللغة إلا أنه مغالطة كبيرة في الفيزياء، فحسب فيزياء الكم لا يوجد فراغ ليس فيه أي شيء أو فيه عدم محض، فالعدم هو نقيض الوجود أصلا ولا يمكن للعدم أن يوجد، وقياس طاقة الفراغ في زمن محدد يجب أن يحوي قدرا ما من الطاقة حتى لو كان للجسيمات الافتراضية التي تظهر وتختفي، وهو ما يسمى بالقدر الأدنى من الطاقة الممكنة Zero-point energy، فلا يمكن إذن أن “يوجد” هذا العدم المحض ليكون هو أصل الوجود (الكون). وقد أوضح هذا المبدأ كل من جوهان رافيلسكي وبيرندت مولر في كتابهما “بنية الفراغ”The structured vacuum.

 

الدليل السادس: عجز نظرية التطور
تاريخ النظرية
في منتصف القرن الثامن عشر، بدأ ظهور بعض التفسيرات المادية لنشأة وتطور الكائنات الحية على الأرض، وذلك بالتزامن مع انتشار الأفكار العلمانية في أوروبا وحرص العلماء التجريبيين على البحث عن نظريات جديدة لتفسير ظواهر الطبيعة خارج إطار الكنيسة التي احتكرت المعرفة طوال قرون، وكان من أهم المحاولات المبكرة كتاب “زونوميا أو قوانين الحياة العضوية”، الذي كتبه العالِم البريطاني إرازموس داروين عام 1768 ووضع فيه تأملاته الفلسفية حول نشأة الحياة من الأصداف التي شاع اكتشافها في الحفريات، لكن إرازموس لم ينشره لعدم جاهزية بريطانيا بعد لتحدي الكنيسة، والراجح أنه لم يكن ملحداً إلا أنه اعتقد أن دور الإله توقف عند الخلق لتتطور الكائنات وحدها تلقائياً.

جورج دي بوفون

وفي فرنسا التي كانت تتهيأ لثورة عارمة، نشر عالِم الطبيعة جورج دي بوفون كتاب “التاريخ الطبيعي” عام 1780، واقترح فيه أن الكائنات الحية تطورت عن أسلاف مشتركة.

سرعان ما تأثر كثير من المثقفين المتمردين على الكنيسة بنظرية دي بوفون، ودافع عنها بشراسة الفيلسوفان الفرنسيان بارون دولباخ ودينيس ديدرو، حيث وضعا على أساسها نظرية فلسفية تقترح تطور المادة عشوائيا لاكتساب الحياة بدون خالق.

وفي عام 1789 انفجرت الثورة الفرنسية وحملت معها كل الأفكار المادية لتطفو على السطح، فتجرأ إرازموس داروين في بريطانيا على نشر أفكاره، وطرح كتابه “حب النبات” على الجمهور، وقال فيه “لعل كل منتجات الطبيعة في طريقها إلى كمال أعظم”.

وبدوره، حاول عالم الأحياء الفرنسي جان باتيست لامارك تطوير الأفكار المادية الصاعدة في كتابه “التاريخ الطبيعي للحيوانات اللافقارية” الذي نشره عام 1820، حيث رصد أشكال التشابه بين الأجناس المختلفة، واقترح أن يكون لاستخدام الأعضاء أو عدم استخدامها دور في ظهورها وضمورها، كما حاول أن يربط بين تأثير البيئة وتغيراتها وبين ظهور أو اختفاء تلك الأعضاء، ثم تصور أن الآباء يورثون تلك التغييرات في أعضائهم للأبناء لتنشأ أشكال جديدة من المخلوقات.

ومثل جميع الأطروحات المماثلة، كانت نظرية لامارك أقرب إلى الفلسفة من التجريب، لكنها حظيت بالقبول النفسي من المتمردين على الدين، ولا سيما في فرنسا التي كانت قد نجحت ثورتها للتو على الإقطاع والكنيسة، فبذل مزيد من العلماء جهدهم لوضع الإلحاد في إطار علمي مقبول، ومنهم إيتيان جوفري.

في المقابل، لم يتوان علماء آخرون عن المواجهة، مثل جورج كوفييه الذي يعد من مؤسسي علوم الحفريات والتشريح في العصر الحديث، حيث نشر في عام 1812 كتابه “خطاب تمهيدي” الذي أكد فيه أن التغييرات البسيطة في الكائنات الحية تتطلب تغييرا موازيا في الكثير من أجهزتها وأعضائها بالوقت نفسه، وقال إن معجزة التغيير الموازي في كل الأجهزة وفي نفس الوقت لا تختلف عن معجزة الخلق الإلهي التي يرفضها التطوريون.

وقد دخل كوفييه في مناظرة مع جوفري لعدة أسابيع, وتمكن كوفييه من نقض أدلة خصمه وكبح جماح نظرية التطور قليلاً، إلا أن الدعم الأكاديمي كان موجها للتطور المادي فقط.

إرازموس داروين

هناك العديد من الكتابات التي يرى أصحابها أن الداروينية ارتبطت منذ ظهورها بالجمعيات السرية، ويستشهد أصحابها بهذه العبارة التي جاءت في البروتوكول الثاني من بروتوكولات حكماء صهيون: “لا تتصوروا أن تصريحاتنا كلمات جوفاء، ولاحظوا هنا أن نجاح داروين وماركس ونيتشه قد رتبناه من قبل، والأثر غير الأخلاقي لاتجاهات هذه العلوم في الفكر الأممي سيكون واضحاً لنا على التأكيد”. وبغض النظر عن صحة نسبة هذه البروتوكولات لجمعيات سرية، فإن العديد من مؤسسي وداعمي فكرة التطور كانوا أعضاء مرموقين في الماسونية، مثل الفرنسي ديدرو، أما إرازموس داروين فتؤكد المراجع الماسونية الرسمية أنه كان من أعضاء محفل “بوابة كانون” في أسكتلندا [انظر: http://freemasonry.bcy.ca]، وبعض المراجع تقول إنه كان أستاذا للمحفل من الدرجة الثالثة والثلاثين، ومن ثم فقد ورّث مهمته إلى ابنه روبرت، والذي ورثها بدوره إلى ابنه تشارلز داروين، واليوم يطلق اسم داروين على أحد المحافل الماسونية في أستراليا.

ويربط الكثير من الباحثين بين الداروينية وآثارها السياسية والاجتماعية، بدءا من مراسلات قيل إنها حدثت بين داروين الحفيد وماركس، ووصولا إلى الاستغلال الحرفي لنظرية التطور في تبرير مذابح العرق الأبيض “الأرقى داروينيا!” للشعوب السوداء والملونة [انظر مقال الشيوعية]، ولعل الباحث التركي المعروف باسم هارون يحيى من أشهر الكتّاب الذين كشفوا هذا الجانب الأسود للداروينية [انظر: http://www.harunyahya.com/]

تشارلز داروين

في عام 1859، برز اسم تشارلز داروين حفيد إرازموس مع نشر كتابه المشهور “أصل الأنواع”، والذي جمع فيه خلاصة تأملاته وملاحظاته بعد رحلة طويلة حول العالم على متن سفينة “بيغل”، وحاول أن يثبت تطور جميع الكائنات الحية -باستثناء الإنسان- من خلية بسيطة عبر آلية الانتخاب الطبيعي، فزعم أن الفرد القوي يستطيع النجاة من الكائنات المفترسة ومصاعب الحياة ليعيش ويورّث عوامل قوته لسلالته، بينما تنقرض الأفراد الضعيفة وتتلاشى، ليستمر بذلك تصاعد السلالات وتطورها، وكلما احتاجت الكائنات إلى مهارة جديدة (مثل الخروج من الماء والسير على اليابسة) تطورت أعضاؤها لتحقق تلك الوظائف الجديدة، مثل تطور زعانف السمكة إلى أطراف تساعدها على الزحف.

كان داروين يدرك أن نظريته تفتقر لأدلة محسوسة، فالنظرة العلمية لأصل الحياة كانت بدائية في عصره قياسا إلى علوم البيولوجيا اليوم، إذ لم يكن الحمض النووي قد اكتُشف أصلا، وكانت فكرة العلماء عن الخلية لا تعدو كونها مجرد مادة هلامية أولية تتكاثر بالانقسام، كما لم تكشف الحفريات في ذلك العصر عن دلائل للتطور، لا سيما وأن تنوع الكائنات يتفرع إلى أكثر من 8 ملايين نوع من الكائنات الحية، فأوضح داروين في كتابه بصراحة أن نظريته لن تثبت ما لم تظهر الحفريات التي تؤكد التطور، وعلّق الأمر على الاكتشافات المستقبلية.

وفي عام 1871، طوّر داروين فكرته وجعلها شاملة للإنسان أيضا، وقال في كتابه “انحدار الإنسان وعلاقة الانتقاء بالجنس” إن الإنسان انحدر من سلف مشترك مع الكائنات الحية الأخرى، فعارضه عدد من زملائه الذين كانوا على وفاق مع طرحه الأول، لكن النظرية كانت ولاتزال المبرر الوحيد لأي طرح إلحادي لنشأة الحياة، ولا سيما حياة الإنسان.

نقد نظرية التطور
ربما لم تحظ نظرية أخرى في كافة العلوم بمثل ما حظيت به نظرية التطور من جدل، فهناك عدد يصعب حصره من الكتب والأبحاث والأفلام والمقالات التي تحاول نقضها أو إثباتها، فالنظرية لم تكن منذ نشأتها مجرد محاولة لتفسير ظاهرة علمية بل كانت ولا تزال أداة أديولوجية للصراع بين المؤمنين والملحدين. وسنعرض فيما يلي بإيجاز شديد أهم الانتقادات التي تثبت ضعف النظرية:

أولا: من أهم الانتقادات لفرضية الانتخاب الطبيعي، والتي تفترض مثلا أن تنجو الغزلان السريعة وتنقرض الضعيفة تحت أنياب الحيوانات المفترسة، أن أثر الانتخاب المزعوم لا يمكن إلا أن يكون محدوداً، فالكائنات القوية موجودة أصلاً ولا علاقة لنجاتها بظهور صفات جديدة لم تكن موجودة في نوعها، مما اضطر داروين إلى خلع صفات العقل والتفكير على الانتخاب الطبيعي وجعل الأمر يبدو وكأن هناك مربي ماشية يخلط بين الأنواع الموجودة لديه للخروج بتشكيلات هجينة، فيقول “من أجل الإيجاز، فإني أحياناً أتحدث عن الانتخاب الطبيعي كقوة ذكية، وبنفس الطريقة التي يتحدث بها الفلكيون عن قوة الجاذبية في التأثير على الكواكب، أو كما يتحدث الزراعيون عن رجل يصنع سلالاته المحلية بقوة اختياره” [The origin of species, P. 6-7].

وقد اعترف عدد من علماء التطور بالافتقار للأدلة، ومنهم كولن باترسون الذي قال “لم ينتِج أي أحد نوعاً بواسطة آليات الانتخاب الطبيعي، بل لم يقترب أحد منه، ويدور معظم الجدل الحالي في إطار الداروينية الجديدة حول هذه المسألة” [Colin Patterson, “Cladistics” Interview with Brian Leek, Peter Franz, March 4, 1982, BBC].

ثانيا: أدرك داروين مبكرا أن نظريته لن تستطيع تفسير وجود الجَمال، فالجمال لا يفسر من ناحية تكوينه وغايته بالعشوائية والصدفة، خصوصاً أن بعض الأسماك والكائنات البحرية التي تعيش في أعماق مظلمة تعد آية في الجمال، فلمَن كان هذا الجمال طالما أنه لا يراه أحد؟

لذا قال داروين في رسالة بعثها إلى صديقه أسا غراي في 3 أبريل 1860م “أما الآن، فبعض التركيبات الواضحة في الطبيعة تزعجني، مثلاً رؤية ريش الطاووس تمرضني”. [نص الرسالة رقم 2743 في مشروع تجميع رسائل داروين بجامعة كامبردج: اضغط هنا].

ثالثا: اعترف داروين باستحالة تطور الغرائز، وخصوصاً تلك التي ترتبط بها نجاة الكائن من الموت أو نجاة الوليد نفسه أو الأبناء، فالملاحظة تؤكد وجود تلك الغرائز مع الاستعداد للتعلم، فإما أن توجد الغريزة كاملة فينجو بها الوليد وإما ألا توجد فيموت، ولا مكان للتدرج والتطور هنا. كما لم يكتشف أحد حتى الآن أي تمثيل جيني لتلك الغرائز في الكائنات، ولا لكيفية انتقالها من الآباء إلى الأبناء، وخصوصاً لدى الكائنات التي لا تتزاوج أصلاً مثل النحلة الشغالة، لذا قال داروين إن “هناك غرائز كثيرة مُحيرة إلى حد أن تصورها ربما سيعطي قرائي القوة الكافية لإفساد نظريتي بكليتها” [The origin of species, P.233].

نظرية التطور تعجز عن شرح أساليب التمويه التي تتمتع بها الكثير من الكائنات الحية، فما هي الآلية التي لجأت إليها هذه العظاءة لإدراك العلاقة بين شكلها وشكل بيئتها ثم قامت بتعديل شكلها على مدى أجيال لتصل إلى هذا التطابق كي تمنع الحيوانات المفترسة من رؤيتها؟

تقوم فلسفة التطور جذريا على غريزة البقاء Self-preservation، فهي تفترض أن جميع الكائنات الحية -من البكتيريا إلى الإنسان- تشترك في هذه الغريزة، فهي تسعى إلى الغذاء والتكاثر ومقاومة الموت بشكل غريزي، بل يكاد يكون هدف وجودها هو البقاء على قيد الحياة لأطول مدة ممكنة مع ترك بذور حياة السلالة لتبقى من بعدها على قيد الحياة.

وبقليل من التأمل، يبدو أن هذه الغريزة ليس لها أي مبرر مادي، فحتى لو أثبتنا أن الصدفة وقعت فعلا ونقلت مادة جامدة إلى الخلية الحية الأولى؛ فكيف نفسر نشأة غريزة حب الحياة وما يستلزمها من بحث عن الغذاء وطرح الفضلات ومقاومة عوامل الفناء والسعي للتناسل؟

يقول عالم الجينات فرانسيس كولينز إننا لا نعرف كيف نشأت أصلا الكائنات الحية القادرة على إعادة إنتاج نفسها، فليست لدينا فرضية واحدة تقترب من تفسير ما قامت به بيئة ما قبل الحياة لإنشاء الحياة في غضون 150 مليون سنة فقط [The Language of God, p. 90].

رابعا: استحالة صدْفية الحمض النووي: يمكن القول إن هذا النقد هو الدليل الأقوى على تهافت نظرية التطور، وأنه يقدم أقوى دليل علمي يقيني على ضرورة وجود إله. فبعد عشرات السنين من وضع النظرية على يد داروين تبين للعلماء أن تعقيد بنية الخلية الحية لا يمكن أن يسمح للنظرية بالاستمرار على النحو الذي تخيله داروين عندما كان يرى الخلية مجرد كتلة بروتوبلازمية هلامية يمكن تكونها من مواد غير حية بالتوالد التلقائي Spontaneous generation، فهو لم يكن يعرف آنذاك أن بداخلها عالما مستقلا، فبداخل كل خلية حية من خلايا أي كائن حي توجد مصانع لإنتاج الطاقة (ميتوكندريا)، ومصانع تدعى ريبوسومات لإنتاج البروتينات التي تعتبر عماد بناء الخلية نفسها وبناء أنسجة الجسم الأخرى (حتى الشعر والأظافر وقرنية العين وسم الثعبان والإنزيمات وأجزاء من الهرمونات).

يؤكد عالم الفيزياء البريطاني بول ديفيز أن نظرة العلم إزاء الوجود تغيرت في القرن العشرين، فقد كان يُنظر إلى الجزئيات المادية على أنها أساس الكون، لكن الفيزيائيين المعاصرين يرون أن الوجود قائم أصلا على المعلومات التي جاءت المادة لاحقا لتجسيدها. وقد وضع ديفيز عدة كتب تبرهن علميا وجود خالق مدبر للكون، ومن أشهرها كتاب “عقل الإله” (1992).

وبما أن كل بروتين يتكون من سلسلة طويلة جداً من مئات أو آلاف الأحماض الأمينية، فإن تلك الأحماض لا ترتبط ببعضها بنفس ترتيبها عشوائياً لتكوين البروتينات، فاحتمال التركيب العشوائي لتكوين جزيء بروتين صغير واحد مكون من مئة حمض أميني فقط، وعبر جهاز كمبيوتر خارق (سوبر)، يستغرق من السنوات عددا يُكتب برقم “واحد” وأمامه 127 صفرا، وهي مدة تتجاوز عمر الكون كله بمليارات السنين، مع أن هناك بروتينات تتكون من 27 ألف حمض أميني وليس مئة فقط.

علاوة على ذلك، يعتمد عمل البروتينات على نظام محدد لترتيب أحماضها، فلو اختل ترتيب حمض أميني واحد فقد يؤدي ذلك إلى المرض أو الموت، مثل اختلال حمض أميني واحد في بروتين الهيموغلوبين، حيث يؤدي ذلك إلى الإصابة بمرض أنيميا فقر الدم، فهذا الجزيء يحتوي على 539 حمض أميني، وعدد احتمالات ترتيب هذا العدد يصل إلى “واحد” وأمامه 620 صفرا من الاحتمالات، لكن احتمالا واحدا فقط هو الذي يحدث دائما.

لذلك تبين أن تكوين سلسلة البروتين الطويلة في الريبوسومات من الأحماض الأمينية يأتي نتيجة “أكواد” أو رموز تشفير محمولة في الحمض النووي الوراثي DNA الموجود في نواة كل خلية، فكل ثلاث قواعد من الحمض النووي تمثل شفرة (أو كودون) لاستدعاء حمض أميني معين، وبنفس الترتيب الصحيح وإلا اختل البروتين، ويستحيل على العقل أن يتخيل حدوث هذا بالصدفة والعشوائية.

وإذا كانت فرضية التطور الأولى تقوم على تصور سطحي للخلية في عصر داروين، فقد ثبت لاحقا أن عدد الحروف البرمجية المشفرة التي يتكون منها “البرنامج” الموجود في الحمض النووي للبشر مثلاً هو ثلاثة مليارات ومائة مليون حرف، وهي مرتبة بترتيب محدد مسبقا، لذلك يشبّه مؤسس شركة مايكروسوفت بيل غيتس الحمض النووي بالبرنامج الحاسوبي مؤكدا أن تعقيده الشديد أكبر بكثير من أي برنامج كتبه البشر [ستيفن ماير، “توقيع في الخلية” Signiture in The Cell].

وإزاء هذه الاكتشافات بات التصور الدارويني الأولي لخلية تتطور في بحيرة دافئة أمرا مستحيل الحدوث، وهو ما دفع أتباعه المعاصرين لإيجاد تأويلات أخرى، حيث اعترف عالم الأحياء الملحد المعروف ريتشارد دوكينز بأنه لن يتفاجأ إذا وجد توقيع “مصمم” داخل الخلية الحية، إلا أنه سارع إلى استثناء الإله من هذه الضرورة، وقال إنه ساعتها سيقول إن هذا المصمم هو كائنات فضائية زرعت الخلية الحية الأولى على الأرض بكل ما فيها من إبداع ونظام. لكن هذا الحل الافتراضي لن يحل المعضلة، حيث سنقع هنا في مشكلة التسلسل التي أثبتنا سابقا عدم منطقيتها، وهذا ما دفع دوكينز للقول إن هذه الكائنات الفضائية بالتأكيد قد تطورت داروينياً في مكان آخر من الكون، وكأنه قام بإرجاع أصل البشر إلى أصل سابق متطور بدوره عن أصل آخر، دون أن يقدم جوابا على السؤال الأساسي: من أين أتى الأصل الأول لكل الكائنات؟ [الفيلم الوثائقي: مطرودون.. غير مسموح بالذكاء Expelled: No Intelligence Allowed ].

وعندما سأله المحاور في مجلة “تايم” روث غلدهيل عما إذا كان يستبعد أن يكتشف الفيزيائيون مستقبلا وجود إله في أحد الأبعاد، قال دوكينز إنه مقتنع بأنهم سيكتشفون شيئا مدهشا ويصعب فهمه، وأن كل التصورات اللاهوتية ستكون بسيطة بالمقارنة به، ثم استدرك وقال إن هذا الشيء لا يكفي أن نسميه بالإله وأنه لا بد أن نجد قانونا جديدا لتفسيره مثل التطور، فربما يكون قد تطور بدوره على كوكب آخر وصنع برنامجا حاسوبيا للمحاكاة ونحن جميعا جزء منه (أي كما هو الحال في سلسلة أفلام ماتريكس) [مجلة التايم، 10 مايو 2007]. وهذا يعني أن دوكينز اضطر للإقرار بوجود كائن خارق يشبه في صفاته تماما الإله الذي وصفه الأنبياء، إلا أن نفوره من “التصورات اللاهوتية” وإيمانه العقائدي بنظرية التطور يدفعه إلى جعل التطور قانونا شاملا لتفسير الوجود، وكأنه يضع قانونا وجوديا (دينيا) يحتم باستحالة نشوء الوعي بدون تطور.

ساغان

ويبدو أن اللجوء إلى فرضية التطور عن أصل فضائي باتت أكثر شيوعا لدى علماء التطور الملحدين، مع أن هذا الخيال العلمي لا يحل المعضلة وليس أكثر “علمية” من الإقرار بوجود إله، ومنهم فريد هويل الذي وضع في الثمانينات مع زميله تشاندرا ويكرامسينغي كتابا بعنوان “التطور من الفضاء”. وكذلك عالم الفلك المشهور كارل ساغان الذي سخر يوما ما من الصحفي السويسري إريك فون دانكن بسبب تأليفه كتابا خياليا يحاول البحث عن أصل للحياة على يد كائنات فضائية بعنوان “عربات الآلهة”، ثم تحدث ساغان نفسه عن احتمال وصول الخلية الحية إلى الأرض من مكان آخر في الكون لاستحالة تشكل مكوناتها الأولى بالصدفة، مع أن عمر الكون كله لا يكفي لذلك.

خامسا: لا يوجد دليل واحد حتى الآن على حدوث التطور الماكروي (الكبير)، أي الانتقال من صنف إلى صنف عن طريق الانتخاب الطبيعي، فمع أن الجدل ما زال قائما حول صحة التطور الميكروي (الصغير) داخل الأصناف نفسها، أي حدوث تعديلات في بعض السلالات مثل التغير في سلالة إحدى الأسماك، إلا أنه لم يثبت تطور أي صنف من الأسماك إلى صنف برمائي آخر، بل يؤكد باحثون معاصرون أن هذا مستحيل.

ومنذ ظهور نظرية داروين يحاول الباحثون إخضاعها للتجربة أو حتى إثباتها بالملاحظة، فإذا بحثنا في أجساد ملايين البشر الذين يجرون تعديلات “طقوسية” على أجسادهم على مدى آلاف السنين، مثل ختن أولاد المسلمين واليهود، والتعديلات “الجمالية” التي تقوم بها نساء القبائل المختلفة في أفريقيا وآسيا، سنجد أن الأجيال التالية تولد دائما خالية من أي تغيير.

وكذلك حاول ريتشارد لينسكي من جامعة ميتشيغان أن يثبت تطور البكتيريا، وهي أبسط الكائنات الحية، فظل يراقب نشوء 40 ألف جيل منها طوال 20 سنة، لكنه لم يجد تغيرا مفيدا في أي جين من جيناتها.

لذا يقول أستاذ علم الجراثيم بجامعة بريستول آلان إتش لينتون إنه بعد 150 عاما من نشوء علم الجراثيم، لم يتمكن أي عالم حتى الآن من إيجاد دليل واحد على أن نوعا واحدا من أنواع البكتيريا قد تغير إلى آخر، وذلك بالرغم من تعرضها لطفرات كيميائية وفيزيائية قوية، وبما أنه لا يوجد دليل على تطور الأنواع في أبسط أشكال الحياة وحيدة الخلية، فمن المنطقي إذن عدم وجود دليل على التطور من الكائنات بدائية النواة إلى حقيقية النواة، ناهيك عن جميع الكائنات الحية الأعلى المتعددة الخلايا [المصدر: Alan H. Linton: “scant search for the maker”, Times Higher Education Supplement, April 20, 2001, 29].

ويجدر بالذكر أن داروين الذي لم يستطع تقديم برهان علمي على صحة فرضيته، لجأ إلى مغالطة على هيئة تحدّ مقلوب، فقال في كتابه “أصل الأنواع” إنه إذا ثبتت استحالة تطور أي عضو فإن نظريته ستنهار، وكأنه يطالب المشككين بإثبات استحالة فرضية لم تثبت، وقد تابعه في هذه المغالطة دوكنز أيضا. لكن الأصل في العلم هو أن يُثبت واضع النظرية صحة دعواه أولا، بدلا من مطالبة الآخرين بإثبات خطأ الاحتمالات الأخرى، فعلى داروين وعلماء التطور أن يثبتوا عشوائية التطور قبل مطالبة الآخرين بإثبات العكس.

سادسا: استحالة التطور وفق مفهوم “التعقيد غير القابل للاختزال”، فبالرغم من المغالطة الكامنة في الطرح الذي قدمه داروين في الفقرة السابقة، فقد قبِل البروفسور في جامعة ليهاي الأميركية مايكل بيهي التحدي عام 1996، ووضع في كتابه “صندوق داروين الأسود” أدلة تثبت عجز أنصار داروين عن تفسير “عشوائية التطور” المفترضة، وضرب عدة أمثلة تثبت استحالة التطور، ومن أهمها تعقيد سوط البكتيريا المكون من ثلاثة أجزاء لا بد أن “تُخلق” معا ليكون الذيل قادرا على العمل وتحريك البكتيريا، كما حسب احتمال نشوء هذا السوط بالصدفة فوجد أنه يمثل 1 إلى “عشرة أس 1170”.

مايكل بيهي (The Maine Campus)

وأكد بيهي من خلال دراسته للخلايا البسيطة أن الأنظمة الكيميائية الحيوية لا يمكن أن توجد بالصدفة ولا الضرورة، بل أنشأها “مصمم” كان يعرف الشكل الذي ستؤول إليه عند اكتمالها، فهي معقدة تعقيدا لا يقبل الاختزال لكونها مؤلفة من أجزاء متفاعلة وشديدة التناسق لتحقيق وظيفة واحدة، وهو أمر لا يمكن إنشاؤه بإحداث تطوير طفيف وتدريجي كما يفترض التطوريون، فأي تغيير على نظام لا يقبل الاختزال سيعطله كله عن العمل. ويُعد مفهوم “التعقيد غير القابل للاختزال” إثباتاً تجريبياً رصيناً للملاحظة التي طرحها من قبل جورج كوفييه في القرن التاسع عشر كما ذكرنا سابقاً.

وبعد استنفار الكثيرين للرد على كتاب بيهي، وضع الأخير في عام 2007 كتابا آخر بعنوان “حافة التطور”، وردّ فيه على كل الانتقادات مقدما أدلة أكثر رسوخا على استحالة نشوء مكونات الخلية الحية بالانتخاب الطبيعي العشوائي.

يقول بيهي في هذا الكتاب إن أفضل اختبار لفرضية داروين على الإطلاق هو تاريخ الملاريا، فقد حدثت مئات الطفرات التي تزود الإنسان بالمقاومة ضدها في الجينوم البشري (خريطة الجينات)، ثم انتشرت بين أفراد الجنس البشري بالانتخاب الطبيعي، لكن دراسة هذا التطور المفترض تثبت ما يلي:

  • التطور الدارويني غير متسق ومقيد.
  • التصور المسبق لدى الداروينيين بأن الطفيل (الملاريا) والعائل (الإنسان) يدخلان في سباق تسلح ويسفر عن تطور الجانبين ليس صحيحا، فالصراع أدى إلى تدهور بدلا من التطور.
  • الطفرة العشوائية التي يُفترض أن تؤدي إلى تطور كانت تنهار بعد فترة قصيرة من ظهورها بدلا من الثبات وتحسين النسل، كما أن نسبة حدوث طفرة عنقودية تتطلب منا الانتظار مئة مليون سنة مضروبة في عشرة ملايين سنة، وهي مدة تزيد عن عمر الكون.
  • البيانات الهائلة المتوفرة لدينا عن صراع الإنسان مع الملاريا تثبت عجز التطور الدارويني عن التفسير.

ويضيف بيهي أن فرضية داروين ظهرت في مرحلة لم تكن فيها التجارب والملاحظات قادرة على الإثبات أو النفي، لكن الطبيعة قدمت لنا في السنوات الخمسين الأخيرة دورات لحياة الملاريا وفيروس الأيدز بما يفوق قدرة المختبرات مليار مرة، وأثبتت لنا أن الطفرات العشوائية والانتخاب الطبيعي لا يمكن أن ينشئا آلة بيولوجية متسقة إطلاقا.

سابعا: لم تقدم الحفريات حتى الآن أي دليل على صحة فرضية التطور، وقد أدرك داروين من البداية أن سجل الحفريات ليس في صالحه فتساءل “لماذا لا تزخر كل طبقة جيولوجية بالحلقات المتوسطة (الانتقالية من صنف إلى صنف)؟ من المؤكد أن الجيولوجيا لا تكشف عن أي سلسلة عضوية متدرجة، ويبدو أن هذا هو أوضح وأخطر الاعتراضات المثارة ضد نظريتي”.

وبعد مرور قرابة 150 سنة على ظهور الكتاب، وبالرغم من التنقيب الكثيف في معظم طبقات الأرض التي تسجل حفريات الكائنات الحية، لم تظهر الحفريات التي تجسد بدقة التحورات المفترضة بين الكائنات المتطورة من نوع إلى آخر، ولم يُعثر سوى على ظهور مفاجئ لكل نوع على حدة ثم استمراره على ما هو عليه.

يقول العالِم في متحف فيلد للتاريخ الطبيعي ديفيد روب إن المعرفة بسجل الحفريات ازدادت كثيرا منذ عصر داروين، حيث أصبح لدى العلماء ربع مليون من الأنواع المتحجرة، ومع ذلك فإن الوضع لم يتغير كثيرا، وما زال سجل التطور متقطعا، بل إن المتوفر اليوم من الأشكال الانتقالية أقل مما كان مُعتمدا في عصر داروين [العلم ووجود الله، ص 198].

ويؤكد العالم ستيفن غاي غولد أيضا أن حفريات الأنواع المتحجرة تثبت أن معظم تلك الأنواع ظهرت بشكل مفاجئ ومكتمل التكوين دون أن يطرأ عليها تغير تدريجي من الأسلاف، كما أنها احتفظت بشكلها كما هو حتى انقرضت [المرجع السابق، ص 199].

وبالنتيجة، اقترح بعض علماء الأحياء تعديلات على النظرية، فخرج غاي غولد ونيلز إلدردج في عام 1972 بفكرة التوازن النقطي أو المتقطع Punctuated Equilibrium، وهي تفترض أن الكائنات الحية تمر بفترات مستقرة لا تظهر فيها أنواع جديدة، ثم تظهر فترات تطور مفاجئ لتتشعب فيها الأنواع الجديدة.

لكن فرضية غولد وإلدردج لا زالت تعتمد على المصطلحات الافتراضية لنظرية داروين الأولى مثل قد وربما وإذا كان ومن الممكن واحتمال، فضلا عن أنها غير مُبررة منطقيا ولا تجريبيا، فما الذي يدفع آلية التطور -إن وُجدت- إلى المرور عشوائيا بمراحل سكون وانطلاق طالما كانت سيرورة الحياة وتحدياتها قائمة في كل مراحل التاريخ الطبيعي؟

إذن مازال افتراض حدوث التطور أقرب إلى الفرضية الفلسفية التي لم تتحقق بالرصد أو التجربة، وقد يصل الأمر ببعض العلماء الباحثين عن أي دليل إلى وضع افتراضات لسيناريوهات غير منطقية، مثل محاولة تفسير ظهور الحليب لدى الثدييات عبر الصدفة بأن المواليد كانوا يلعقون عرق الأمهات، ثم تطور هذا العرق مع مرور الوقت إلى حليب، وبالرغم من الاختلاف الكبير بين العرق الذي يعد من مخلفات الجسم وبين الحليب الذي لا يضاهيه أي غذاء أو مضاد حيوي طبيعي للمولود، فإن الفرضية لا تستند إلى أي مبرر علمي، كما أنها لا تفسر ظهور “منعكس المص” الفطري لدى المواليد الجدد الذين يبادرون إلى التقام الثدي والرضاعة فطريا دون تعليم. [Mr. Tompkins Inside Himself, p. 149].

رسوم إرنست هيغل

ومن المؤسف أن اندفاع بعض العلماء لمحاولة تبرير النظرية، بعد أن أصبحت الملاذ الوحيد للإلحاد، دفعهم إلى تلفيق بعض الأدلة، مثل رسوم إرنست هيغل لتشابه الأجنة المبكرة بين الإنسان وحيوانات مائية وبرمائية وزواحف وطيور، وهو ما ثبت زيفه وأجبره على الاعتراف في عام 1908م، إلا أنه ظل معتَمدا لدى بعض الكتب العلمية حتى وقت قريب. ونذكر أيضا تلفيق جمجمة “إنسان بلتداون” التي جمعت قحفا بشريا (تمت معالجته كيميائيا ليبدو قديما) مع فك قرد أورانغتان، حيث اعتُمدت هذه الجمجمة كدليل على الحلقة المفقودة لتطور الإنسان في بعض المتاحف قرابة 40 عاما.

وهناك حالات أخرى لتزوير عظام “إنسان جاوه”، والذي لم تُكشف حقيقته إلا بعد نحو 30 سنة، وكذلك وضع تصور لما سمي بإنسان نبراسكا بناء على ضرس واحد، حيث اتضح بعد عامين أنه ضرس خنزير بري، فضلا عن أمثلة أخرى كثيرة لأسماك قيل إنها أسلاف البرمائيات والزواحف، وطيور منقرضة قيل إنها ديناصورات طائرة.

 

أمثلة لأهم الكتب التي صدرت في المكتبات الغربية لنقض نظرية التطور خلال العقود الماضية

 

من أهم الكتب التي ناقشت “التصميم الذكي” في الثمانينات

التصميم الذكي
إزاء قصور نظرية التطور عن تفسير الكثير من الظواهر، أصبح الكثير من العلماء يؤمنون بأن الحياة بدأت وفقا لتصميم وضع بذكاء، وبغض النظر عن ماهية المصمم الخالق باعتبار أن صفاته شأن ديني، لكن المنابر الإعلامية لا يتصدرها اليوم سوى التطوريون الذين يرون أن مجرد القول بوجود تصميم ذكي هو قول ديني خارج عن العلم.

في عام 1982، ناقش القضاء في ولاية أركانساس الأميركية دعوى رُفعت للسماح للمدارس بتدريس نظرية التصميم الذكي إلى جانب نظرية التطور، واستنفر الإعلام والمثقفون للمساهمة في الجدل العنيف حول مدى “علمية” نظرية التصميم الذكي، وتضمنت القضية وضع النظرية أمام اختبارات أربعة:

  • الخضوع للملاحظة: فالتطوريون قالوا إن نظرية الخلق لا يمكن ملاحظتها، وكان الرد بأن هناك تصورات علمية كثيرة لا تخضع للملاحظة مثل مكونات الذرة، إلا أن آثارها قابلة للرصد وهي قادرة على تفسير الظواهر العلمية، بل إن التطور من نوع إلى نوع هو مجرد تصور لم يخضع للملاحظة أبدا.
  • التكرار: يطالب التطوريون بضرورة تكرار الخلق ليتمكنوا من دراسته، مع أن نظرية الانفجار العظيم لا يطبق عليها هذا الشرط، بل إن بدء الحياة وفقا لمفهوم التطور أمر لا يمكن تكراره.
  • الاختبار: أعلن القاضي أن التصميم الذكي لا يمكن اختباره علميا، وبنفس الوقت استشهد بمرافعة التطوريين عندما قالوا إنه ثبت خطأ التصميم، فكيف ثبت خطؤه مع أنه لم يخضع للاختبار؟!

وقد مال القاضي إلى التطوريين انطلاقا من ضيق مفهوم العلم في الفلسفة الطبيعية التي تسيطر على الثقافة الغربية، فهي تنطلق من حقيقة أن العلم يقتصر على الأسباب الطبيعية والظواهر القابلة للاختبار الحسي والرياضي، إلا أنها تصر على أن يخضع الكون كله لأدوات اختبار العلم على اعتبار أنه ليس في الوجود سوى مادة وطاقة.

ولو أن العالِم الطبيعي -بالمفهوم الغربي- اقتصر على تفسير الظواهر لكان هذا محل اتفاق، إلا أنه يصر على البحث في أصول الظواهر معتبرا أن علمه صار بديلا عن الدين والفلسفة، وهو يحكم مسبقا على الكون بأنه يجب أن يكون ماديا، ليس لأنه قد ثبت له بأدواته المادية أن الكون حقا كذلك، بل لأن أدواته عاجزة أصلا عن البحث فيما وراء المادة.

وهذا المفهوم القاصر والمتضخم أصبح أساسا لمغالطة شائعة وهي وضع أي ظاهرة ميتافيزيقية في عالم التأجيل، فيقال إننا إذا عجزنا اليوم عن تفسير المعجزات والسحر وما يظهر من عالم الجن فيجب أن نؤجل الأمر إلى وقت غير مسمى أملا في أن يجد العلم الطبيعي المادي تفسيرا لها، والواقع أن العلم يكتشف المزيد من الحقائق التي تزيد من حيرة العلماء بدلا من العكس.

وعندما يقول العالِم إن وراء هذا الخلق تصميما ذكيا فهو لا يسند الخلق إلى إله على اعتبار أنه حدث أول بل هو السبب الأول، فإسناد التعقيد المتفرد في الحمض النووي إلى جهة “عاقلة” هو قرار علمي ضروري وليس هروبا إلى الأيديولوجيا الدينية، أما إنكار الخلق وانتظار ظهور تفسير “علمي” في أجل غير مسمى فهو هروب مؤدلج إلى احتمال غير مؤكد لمجرد النفور من الدين.

يقول الفيلسوف ريتشارد سوينبرن في كتابه “هل هناك إله؟” إن الحديث عن وجود الله هو ليس افتراضا كالذي يتصوره الملحدون تحت مسمى “إله الفجوات”، أي إلهاً وهمياً لتفسير الظواهر التي لم يكتشفها العلم بعد، بل هو إله ضروري يفسر قدرة العلم نفسه على التفسير، فنحن نقر بأن العلم قادر على التفسير لكن الإله هو الذي يفسر لنا سر تلك القدرة التفسيرية للعلم، وهذا يعني أن نجاح العلم يزيد من قوة إيماننا بالله وليس العكس، فكلما ازداد علمنا اكتشفنا أن الكون يتسم بنظام دقيق وأن هناك مسببا له، أما الملحدون فيصرون على تصور الإله على أنه بديل للعلم ويحاججون المؤمنين بناء على هذا الوهم [العلم ووجود الله، ص 82].

 

الدليل السابع: فطرية اللغة
تفترض النظريات القائمة على التطور أن اللغات تطورت بدورها عن أصوات بدائية للكائنات الدنيا، وأن حناجر أسلاف الإنسان كانت أشبه بحناجر أطفال عصرنا التي لا يكفي بلعومها القصير لإصدار الكلام الواضح، وأن مراكز النطق لم تكن قد نضجت في أدمغتهم، لكن عالم الأنثروبولوجيا إيان تاتيرسل يقول إن الانتخاب الطبيعي العشوائي يعجز عن تفسير ظهور مراكز النطق والممرات الصوتي في الحناجر قبل أن ينطق “أسلاف الإنسان” بمدة طويلة.

تشومسكي (Duncan Rawlinson)

وفي ستينيات القرن العشرين، أكد عالم اللسانيات الأميركي ناعوم تشومسكي وجود نظام جيني في عقل الطفل منذ ولادته لاكتساب اللغة، فهو يتعلم المفردات من البيئة المحيطة ويكون جاهزا لتشكيلها بمفردات واشتقاقها على هيئة فعل ومفعول وفاعل ثم ربطها بالزمن.

وأكد تشومسكي أيضا أن هذا النظام عالمي، فالجنس البشري يتعامل مع اللغة بطريقة متماثلة مع اختلاف اللغة، ويقول تشومسكي إن اللغات نشأت في لحظة انفجار لغوي عظيم، قياسا على نظرية الانفجار العظيم التي تفسر نشأة المادة، ولا يمكن أن تكون قد تطورت عن أصوات بدائية. كما يعبر زميله ستيفن بنكر في معهد ماساتشوستس للتقنية في كتابه فطرة اللغة: “إذا زار عالم لغويات من كوكب المريخ الأرض فسيستنتج أن أهل الأرض جميعا يتكلمون لغة واحدة، باستثناء بعض الكلمات غير ذات المعنى”.

 

تعد قصة الفيلسوف البريطاني أنتوني فلو من أشهر قصص الانتقال من الإلحاد إلى الإيمان في العصر الحديث، فبعد نشأته في بيئة متدينة قرر في سن المراهقة معاداة الأديان واختيار الإلحاد، وكانت معضلته الأولى مع وجود الإله هي وجود الشر في العالم، وظل حتى سن الثمانين من أكثر المؤيدين للإلحاد عنادا.

ترددت أنباء عن احتمال انقلابه على الإلحاد منذ عام 2001، إلا أنه أنكر ذلك، ويبدو أن إلحاده لم يصمد أمام عقله الذي لم يكف عن المراجعة، فكانت لديه الجرأة الكافية لإعلان إيمانه بالله في عام 2004، ما أثار ضده الكثير من زملاء الماضي ووسائل الإعلام.

وفي عام 2007، اختتم فلو رحلته الفكرية الطويلة بالكتاب الصادم “هناك إله: كيف غيّر أشرس ملحد رأيه”، وأوضح أن إيمانه بضرورة وجود إله يعود إلى الأسباب الخمسة التالية:

1- فشل العلماء والفلاسفة في إثبات نشأة العالم المادي من العدم بمعزل عن إله خالق.

2- الطبيعة تسير وفق قوانين ثابتة مترابطة ويمكن كتابة كل صيغها الرياضية في صفحة واحدة، ولا بد أن هناك مصدرا عاقلا وضع هذه القوانين.

3- كل قوانين الطبيعة تعجز عن تفسير نشأة الحياة من مادة صماء، ومن المستحيل أن نفسر الغائية والذكاء بالعشوائية والصدفة.

4- كلما ازدادت معرفتنا بالكون نكتشف أنه قد تم إعداده بذكاء لاستقبال البشر، وكل النظريات التي وضعها العلماء لتفسير هذا الإعداد المحكم -كنظرية الأكوان المتعددة- كانت مثيرة للسخرية.

5- لا يمكن للغة الكهروكيميائية للمخ -والتي توجد في بقية الخلايا الحية- أن تفسر قدرات العقل البشري، فلا بد من مصدر غيبي (إله) وراء هذ العقل المبدع.

 

الأٍسباب النفسية للإلحاد
بعد كل ما مر بنا من أدلة عقلية وعلمية ورياضية على ضرورة وجود إله خالق، قد يتساءل القارئ عن سبب استمرار وجود الإلحاد وانتشاره بين كثير من العلماء والمفكرين في هذا العصر. وللرد على هذا الإشكال لا بد أن نذكّر هنا بمغالطات الاحتكام إلى الأكثرية وإلى السلطة وإلى الحداثة [انظر مقال المغالطات المنطقية]، فكثرة الملحدين لا تعني بالضرورة أن يكونوا على حق، واعتناق علماء العلوم الطبيعية فكرة أيديولوجية ما ليس دليلا على صحة معتقدهم الخارج عن تخصصهم الدقيق، كما أن حداثة فكرة ما (الإلحاد) ليست مؤشرا على أنها الرأي الصائب [انظر مقال مصادر المعرفة].

ومن الواضح أننا نسلّم للعلماء التجريبيين بنتائج أبحاثهم عندما تتم بالنزاهة المطلوبة، لكن اقتناع أحد هؤلاء العلماء بما تؤدي إليه النتائج (مثل وجود الله) هو أمر آخر، فتاريخ العلم حافل بصراعات فكرية “أيديولوجية” بين العلماء، ولا سيما أولئك الذين يجدون صعوبة في التخلي عن نظام معرفي مألوف لصالح نظام آخر جديد مهما كانت الأدلة على صحته قوية. وقد أوضح المؤلفان روبرت أغروس وجورج ستانسيو في كتابهما “العلم فى منظوره الجديد” قصة الصراع بين النظرة العلمية القديمة (التي تعود إلى عصر نيوتن) والنظرة العلمية الجديدة (التي بدأت مطلع القرن العشرين)، فمع أن الكتاب نُشر عام 1989 إلا أن نقد المؤلفَين لتمسك غالبية العلماء بالفلسفة المادية (وما تؤدي إليه من إلحاد) مازال قائما حتى اليوم.

فإذا كان العلماء يتعصبون فعلاً لتوجهاتهم الفكرية (وهذا موقف غير علمي)، فلماذا نستبعد إذن تعصبهم لموقف مسبق تجاه الدين، ومن ثم تجاه وجود الإله نفسه؟

إذن فالأدلة العلمية التي تثبت ضرورة وجود خالق ومصمم أوجد هذا الكون لغاية مسبقة وبفعل إرادي، تبقى بحد ذاتها دليلا إرشاديا لمن يريد أن يقتنع بها من العلماء، لكن الفعل الإرادي المتمثل باتخاذ خطوة أخرى نحو الاقتناع هي سلوك بشري يخضع لرغبة العالِم الشخصية، وليست سلوكا علميا بالضرورة.

علاوة على ذلك، نجد أن الوسط العلمي لا يخلو من السلوكيات المنحرفة والشاذة التي يدينها القانون والعُرف الاجتماعي، وهو ما نجده أيضا لدى بعض أصحاب أفضل العقول وحملة جوائز نوبل، بل نجد أن الكثير من العلماء ينحازون نحو تيارات عنصرية أو فلسفات هدامة، فالنخبة العلمية في ألمانيا النازية كانت تؤيد توجهات هتلر الوحشية، وكذلك الحال في الاتحاد السوفييتي والصين حيث أبيد ملايين البشر لتحقيق الحلم الشيوعي، كما أيد الكثير من العلماء الأميركيين تصنيع أسلحة الدمار الشامل وإلقاءها على البشر، ولا يعني ذلك أن العلم التجريبي في موضع الاتهام، فما ينشأ عن إرادة أهل العلم يعود إلى قراراتهم وليس إلى العلم المجرد.

يناقش البروفسور جون لينوكس بإسهاب في كتابه “هل قتل العلم الايمان بوجود الله؟” -والذي تُرجم إلى العربية بعنوان “العلم ووجود الله”- تهافت الكثير من أقوال زملائه العلماء الملحدين، مثل مقولة الكيميائي البريطاني بيتر أتكنز “تستحيل مصالحة العلم والدين”، ويثبت لينوكس أنه لم يجد مع المئات من زملائه أي تناقض بين الإيمان والعلم، فنحن نهتم بنتائج أبحاث العلماء في تخصصاتهم التجريبية التي أثبتوا صحتها، أما معتقداتهم الشخصية فليست من العلم، سواء كانت اعتقادًا بأساطير قديمة أو إلحاداً.

ويستشهد لينوكس باستبيان أجرته عام 1996 مجلة “نيتشر” عندما سألت عشوائيا ألف عالم عن إيمانهم بإله يستجيب للعبادة وبخلود الإنسان، وهو سؤال يختلف عن مجرد الإيمان بخالق، وقد أجاب 60% منهم عن السؤال، وكانت نسبة من قالوا نعم منهم حوالي 40%، ومع أنهم ليسوا أغلبية فإن وجود هذه النسبة يكفي للقول إن العلم التجريبي ليس مرادفا للإلحاد في عقول العلماء المعاصرين الغربيين [ص 30].

ومن الجدير بالذكر أن المجلة الفرنسية “العلوم والمستقبل” Sciences et Avenir نشرت عام 1998 نتائج استبيان سئل فيه 72 عالم فيزياء عن رأيهم في نظرية تعدد الأكوان، فقال 60 % منهم تقريبا إنهم يؤمنون بها، وهي نسبة تماثل نسبة الملحدين في الاستبيان السابق، مما يرجح صحة مقولة وينبرغ المذكورة أعلاه حول كون هذه النظرية الملاذ الوحيد للملحدين.

لذا قد تكون هناك أسباب نفسية واجتماعية وأيديولوجية عديدة تدفع شخصا ما للإلحاد، وذلك بغض النظر عن ذكائه ونجاحه في مجالات عدة، فقد يتفوق الإنسان في جانب ما ويخفق كثيرا في آخر، وربما نصادف عالِما عبقريا في أحد المجالات وهو يقدّس وثنا أو يؤمن بخرافة. وسنوجز فيما يلي أهم الأسباب النفسية للإلحاد:

شعار الحركات الإلحادية

1- النفور من الدين: في عام 2011 احتفت مواقع كثيرة بإلحاد ليو بيهي، نجل مايكل بيهي الذي أشرنا سابقا إلى مؤلفاته المشهورة في نقض الداروينية، واعتبر الملحدون هذا الخبر بمثابة انتقام من البروفسور الذي أصاب التطور والإلحاد في مقتل، لكن الشاب المراهق الذي قرر أن يلحد في سن السابعة عشرة كان يقول في المقابلات التي أجريت معه إن ريتشارد دوكنز أقنعه بالإلحاد من خلال تفنيده للكتاب المقدس للمسيحيين، كما نجد في مدونة ليو أن مشكلته الأساسية هي المفهوم الكاثوليكي للدين والإله (المجسد في شخص المسيح)، وليس وجود الإله الخالق مجردا عن الكهنوت.

وتكاد هذه الظاهرة تكون الدافع الأول للإلحاد في الغرب، فالتناقض الذي أثبته الباحثون في الكتاب المقدس [انظر مقالَي اليهودية والمسيحية] منذ بدء ترجمته ونشره في عصر النهضة دفع كبار فلاسفة ذاك العصر إلى اعتبار العلم المادي المصدر البديل للمعرفة، فظهرت اللادينية (أو ما سمي بالدين الربوبي) التي تعترف بوجود إله وتنكر الوحي والأديان، ودُعمت بقوة من قبل النخبة الاقتصادية والسياسية عبر الجمعيات السرية، ثم تطور الأمر إلى إنكار وجود الإله نفسه. وقد بيّنا في مقال “مصادر المعرفة” أن العلم لا يملك الأجوبة على الأسئلة الوجودية.

واللافت أن معظم العلماء التجريبيين في عصر النهضة كانوا مؤمنين بالله، فقد وصف الفلكي يوهانس كبلر (توفي عام 1630م) دافعه للعلم بأنه “اكتشاف النظام المنطقي الذي فرضه الله على هذا العالم”، كما أن التصور الشائع عن غاليليو غاليلي بشأن إلحاده ليس صحيحا، فالمؤلفة دافا سوبيل تؤكد في كتابها “ابنة غاليليو” أنه ظل مؤمنا بالله طيلة حياته وأنه كان يعتقد بأن “قوانين الطبيعة مكتوبة بيد الإله وبصيغة رياضية”، فقد كان متمردا على تبني الكنيسة للرؤية الأرسطية وليس على الإيمان والدين. [العلم ووجود الله، ص41].

بل إن الكثير من رجال الكنيسة -وخصوصا اليسوعيين- تبنوا الفتوحات العلمية ولم يجدوا مانعا من تأويل نصوصهم المقدسة بما يوافق المنظور الجديد للفيزياء والفلك الذي طرحه نيوتن، وتخلصوا بذلك من البناء الكوني الأرسطي الذي قدسوه طوال تسعة قرون، حيث يقول البروفسور المعاصر جون بروك، وهو أول أستاذ للعلوم والدين في جامعة أوكسفورد: “إن المفاهيم العلمية التي آمن بها الرواد غالبا ما كانت تثريها معتقدات لاهوتية وميتافيزيقية” [العلم ووجود الله، ص38].

وإذا كان هذا هو حال الصراع بين مؤسسة الكنيسة والتجريبيين في أوروبا، فإن تعميم التجربة على أديان أخرى ليس صحيحا، فالعلماء المسلمون لم يواجهوا تحديا مماثلا في القرون الوسطى التي شهدت ذروة الحضارة الإسلامية، بل لم يثبت إلحاد أي منهم بمعنى إنكار الإله على النحو المعروف اليوم، وإن كان بعضهم قد تبنى مذاهب وفلسفات وأديانا أخرى.

ومع تجدد موجة الإلحاد في العصر الحديث تحت مسمى الإلحاد الجديد The New Atheism، والذي انطلق إثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، أصبح من الواضح أن الدافع الرئيس للإلحاد هو معاداة الدين، فمعظم كتابات أقطاب هذه الظاهرة، مثل ريتشارد دوكنز وسام هاريس ودانييل دِنيت، مشغولة بنقد الدين وسلوك المتدينين أكثر من محاولة البرهنة على عدم وجود إله.

2- التمرد: يتجدد انتشار ظاهرتي اللادينية والإلحاد كلما انغمست المجتمعات في نمط الاستهلاك والرفاه، كما تنتشران أيضا في أوساط الشباب إبان فترات الحروب والكوارث، ومنها ما تشهده منطقتنا العربية اليوم من ثورات واضطرابات وحروب، فبعض الشباب الذين وجدوا في أنفسهم القدرة على قلب الحكومات وتحدي السلطات تشجعوا على تحدي السلطة الإلهية الأكبر، ولا سيما عندما رأوا أن الكثير من الفقهاء والدعاة قد مالوا إلى الأنظمة الظالمة ووظفوا الدين في تبرير الخنوع.

ويعترف الدكتور مصطفى محمود في كتابه “رحلتي من الشك إلى الإيمان” بأنه مال إلى الشك في سن الصبا بدافع التمرد والغرور، فكثيرا ما تظهر في محاججات الملحدين اليافعين ميول التمرد والشعور بعدم الحاجة للإله وقيود التدين بالرغم من تغليف تلك الميول بغلاف الجدل العقلي، فالأمر يشبه كثيرا نزوع الشباب في هذا السن إلى خرق قواعد الآباء والأمهات والمجتمع، والتلذذ بذلك للشعور باكتمال الشخصية ونضج الذات، وقد تسيطر هذه النزعة على النفس وتستمر في السيطرة على العقل مدى الحياة مهما امتدت.

3- معضلة الشر: عندما امتد أمد الثورات وانقلبت إلى عنف دموي يحصد أرواح الأطفال والأبرياء؛ سقط قسم آخر من الشباب في هوة اليأس، وحارت عقولهم أمام معضلة الشر وحكمة الابتلاء وتسلط الظلمة دون رادع إلهي فمالوا نفسيا إلى الإلحاد.

سنناقش هذه الأسئلة في مقال “الأسئلة الوجودية الكبرى” بنهاية مسيرنا، لأن بحثنا هنا يتعلق بحقيقة وجود الإله على اعتبار أنها ضرورة عقلية وحقيقة كونية لا بد منها، فالعقل السليم المجرد عن الهوى والضغوط النفسية والدعاية الإعلامية لا يملك إلا أن يسلّم بوجود إله، أما الدوافع النفسية والأخلاقية التي تدور في النفس فسنناقشها بعد استعراضنا لتاريخ علاقة الإنسان بالإله الحافل بنشوء عشرات الأديان والتيارات، وبعد تحققنا من صحة الوحي وصدق النسخة الأخيرة المتبقية منه بين أيدينا (القرآن) كما سيأتي في مقالات لاحقة.

أطفال قُتلوا بالغاز السام في الغوطة بريف دمشق في 21 أغسطس 2013

4- العدمية: تعد الفلسفة الوجودية من مظاهر العدمية البائسة الشهيرة في العصر الحديث، ومع أن مؤسسها الدنماركي سورين كيركغارد الذي عانى من آلام نفسية كان مؤمنا بوجود الله، إلا أن خليفته الفرنسي جان بول سارتر جعل من الوجودية رديفا للإلحاد، وتلقف الكثير من الشباب أفكاره في منتصف القرن العشرين بعد خروج الغرب من حربين عالميتين طاحنتين، حيث كانت العدمية تهيمن على الثقافة العامة في ظل توحش الرأسمالية وتشييء الإنسان (تحويله إلى مادة) وضياع بوصلة القيَم.

في ظل هذه الأجواء المضطربة اجتماعيا، قد ينشأ الإلحاد في نفس الشاب المثقف نتيجة اختلاط الأسباب النفسية السابقة كلها، فيصبح الإلحاد موقفا اجتماعيا أكثر من كونه قرارا فلسفيا متعقلا، وكثيرا ما يتزامن هذا الموقف مع ادعاء الملحد أنه أكثر سعادة من المؤمنين ومن معتنقي كل الأديان.

إسماعيل أدهم

على سبيل المثال، في ثلاثينيات القرن العشرين وضع المفكر المصري إسماعيل أدهم قبل أن يبلغ سن الثلاثين كتابا أسماه “لماذا أنا ملحد”، وحاول أن يؤكد فيه أنه سعيد بإلحاده ومنسجم معه كما هو حال المؤمنين المطمئنين إلى الإيمان.

وتكشف سيرته الذاتية أنه كان عبقريا، حيث حصل على الدكتوراه وأصبح أستاذا للرياضيات في عمر مبكر، والأرجح أنه كان يشعر بغربة اجتماعية وشعور بالتفوق، والمفارقة أنه انتحر في سن الثلاثين عام 1940، حيث وجدت جثته طافية على مياه البحر أمام شواطئ الإسكندرية، وفي معطفه رسالة موجهة إلى رئيس النيابة يخبره فيها أنه انتحر لزهده في الحياة وكراهيته لها.

وإذا كانت الدعاية الإلحادية الشائعة اليوم تحاول إقناع الشباب بأن الملحدين لا يعانون من مشكلات نفسية أو اجتماعية؛ فإن بعض الأبحاث تثبت العكس.

ففي دراسة نشرت عام 2002م بعنوان “منظور عالمي لعلم الأوبئة عن الانتحار”، قال الباحثان خوسيه بيرتولوتي وألكساندرا فليشمان إن الملحدين هم الأكثر انتحارا في العالم، وإن المسلمين هم الأقل انتحارا، [رابط الدراسة].

وبالرغم مما تعرضت له الدراسة السابقة من تشكيك، نُشرت دراسة أخرى عام 2004م في مجلة طب النفس الأميركية The American Journal of Psychiatry بعنوان “الانتماء الديني ومحاولات الانتحار”، حيث أثبتت مجددا وجود تأثير قوي للتعاليم الدينية على الحد من ظاهرة الانتحار، [رابط الدراسة].

أما تأثير الإلحاد والتدين على العلاقات الاجتماعية فقد تم بحثه في عدة دراسات، وكان منها دراسة أجريت في جامعة كولومبيا البريطانية بكندا، حيث تبين للباحثين أن الملحدين هم أكثر الفئات المنبوذة في المجتمع [رابط الدراسة].


 

أهم المراجع
أنتوني فلو، هناك إله، ترجمة صلاح الفضلي.

جون لينوكس، العلم ووجود الله، ترجمة ماريانا كتكوت، الناشر: خدمة كريدولوغوس، 2015.

عمرو شريف، خرافة الإلحاد، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، 2014.

مصطفى محمود، رحلتي من الشك إلى الإيمان، 1970.

عبد الله العجيري، ميليشيا الإلحاد: مدخل لفهم الإلحاد الجديد، مركز تكوين، 2014.

George Gamow, Martynas Ycas, Mr. Tompkins Inside Himself, The Viking Press, New York, 1967.

Richard Dawkins, The Blind Watchmaker, W. W. Norton, London, 1986.

Michael J. Behe, The Edge of Evolution: The Search for the Limits of Darwinism, Free Press, 2007.

C.S. Lewis, Mere Christianity, Harper Collins, 2001.

George Wald, “The origin of life,” Scientific American, Aug. 1954.

Francis S. Collins, The Language of God, free press, 2006.

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً